تاركوفسكي في المرآة)
محادثة بين أندريه تاركوفسكي و تونينو غوييرا..*
1/2
ترجمة وتقديم : علي كامل
(يتملكني حزن عميق وصادق في كل مرّة أفكر فيها بأندريه. لقد أحببناه كثيراً، ونحن جميعاً ننحني أمامـه…)
مايكل أنجلو إنطونيوني

إن هذه المحادثة الشيقة الهامة والحميمة، هي ثمرة لأحدى زيارات الشاعر والكاتب الروائي والسيناريست الأيطالي الشهير تونينو غوييرا إلى موسكو عام 1979، حيث كان حينها منهمك بتأليف كتاب عن موسكو بعنوان: "مرشد لموسكو الحبيبة" في ذات الوقت كان غوييرا يعمل سوية مع المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي على التحضير لفيلم "رحلة إلى ايطاليا" لحساب القناة الثانية في التلفزيون الأيطالي RAI ، والذي سيتغير إسمه في ما بعد إلى "نوستالجيا" أو "الحنين".
كان تاركوفسكي يومها منهمكاً في التقطيع والمونتاج النهائي لفيلمه "الدليل أو STALKER"، وقد كانت فرصة ثمينة لغوييرا أن يحضر مرحلة مونتاج الفيلم، بل يكاد يكون من القلائل جداً الذين ظفروا بمثل هذه الفرصة لحضور مرحلة مونتاج فيلم لمخرج مثل تاركوفسكي..
لقد كان غوييرا معجباً جداً بالفيلم، وكان قد جهر برأيه فوراً دون صبر لتاركوفسكي قائلاً:
"هذه تحفة فنية فريدة يا أندريه".
وقد تحّدث هذان المبدعان طويلاً وأخذت تلك المحادثة مسارات أخرى تجاوزت الفيلم المذكور، لتصبح مايشبه المكاشفات الفلسفية والجمالية لسر هذه المهنة الساحرة "السينما" بين اثنين من كبار صانعيها ومبدعيها في العالم.
كانت تلك المحادثة قد سجلت يومها وبالصدفة على شريط كاسيت، في غرفة الأستقبال في الشقة التي يسكنها تاركوفسكي هو وزوجته وولده الصغير أندريوشا، في الطابق الثالث عشر من بناية ضخمة وسط سلسلة من مبان ٍ كبيرة حطت على تلال لينين في موسكو..
كان غوييرا قد تعرف على تاركوفسكي منذ أواسط السبعينات حين عرض الأخير فيلمه "المرآة" لأول مرة في سنت ـ فنسنت في ايطاليا. بعدها وفي عام 1977 كان تاركوفسكي أحد شهود زفاف غوييرا في موسكو، وكان معه شاهداً آخر، هو مايكل أنجلو انطونيوني، وقد تحدث غوييرا فيما بعد عن هذا اللقاء الحميم:
(في حفلة زفافي التي أقمتها في موسكو عام 1977 كان تاركوفسكي وانتونيوني هما الشاهدان على زفافي. كان تاركوفسكي يحمل بيده كاميرا بولورويد ويتنقل وسط المكان سعيداً ومبتهجاً كالطفل بهذه الآلة التي اكتشفها فقط منذ وقت قريب، كذلك انتونيوني فهو الآخر كان يحمل كاميرا بولورويد وقد صورا معاً صوراً مدهشة حقاً.
أتذكر أننا قمنا برحلة استكشاف لمواقع تصوير في أوزبكستان لتصوير فيلم كان انطونيوني يفكر بأخراجه، والذي لم يصور فيما بعد مطلقاً للأسف الشديد.
وفي أثناء كشف مواقع التصوير شاهدنا ثلاث شيوخ مسلمين، فالتقط أنتونيوني لهم صورة بكاميرته البولورويد، وقدمها هدية لهم.
حدق الشيخ الأكبر في الصورة وتأملها للحظات ثم تطلع بنا وأعادها ثانية لأنتونيوني قائلاً:
"لماذا توقف الزمن؟" … ثم غادرنا فاغري الفم مندهشين عاجزين عن الأجابة على هذا الرفض الفطن والغريب.
لقد تأمل تاركوفسكي تلك الجملة كثيراً وفكر بهذا المرور السريع للزمن، وكان يريد حقاً أن يوقفه، حتى ولو بهذه الومضة السريعة لكاميرا البولورويد.).

لقد نشأت في ما بعد صداقة عائلية حميمة بين الأثنين وكان غوييرا قد فتح لتاركوفسكي الطريق للعمل السينمائي في ايطاليا، تلك العلاقة التي توجّت في ما بعد بفيلمهما "الحنين أو NOSTALGIA" عام 1983.
لقد تعرض تاركوفسكي إلى حملات عدائية قذرة وشرسة في بلاده من قبل أولئك الدواويون الحزبيون أو الموالين لهم في وزارة السينما وستديوهات موسفيلم أنذاك، وخصوصاً إبان ظهور فيلمه "طفولة إيفان" الذي كتب عنه سارتر مندهشاً حينها، ومن بعده فيلمه الأيقوني "أندريه روبولوف".
هذان الفيلمان اللذان أثارا في نفوسهم تلك الضغائن وذلك العداء بسبب شهرتهما التي وصلت إلى كل أرجاء المعمورة، وكان الفيلم الأخير قد تعرض إلى حذوفات متعمدة قاتلة ورهيبة من قبل الرقابة الحزبية، والأكثر غلواً في خستهم ومعاداتهم، هو إتلافهم 80 % من سالب المادة المصورة لفيلمه اللاحق " الدليل" في معمل التحميض في ستديو موسفيلم!.
كل ذلك، وأشياء أخرى سببت لروح هذا الفنان الصادق والحقيقي حالة من التسميم، كما أشار لها في إحدى رسائله لوالده، أضطرته بعد صبر وصراع طويلين إلى مغادرة و

























