القسم الثاني من الدراسة حول الواقعي والمتخيل في سينما
بيرتولوتشي
ترجمة وتقديم: علي كامل/لندن

يصف "لورينت تيراد" في كتابه (5) إنطباعاته الأولى عند رؤيته بيرتولوتشي لعمل هذا اللقاء معه، بقوله:
(.. إذا أردتُ وصف بيرناردو بيرتولوتشي، فإن المفردة الأولى التي تخطر في ذهني هي "الهدوء".
الجميع عرفه في السبعينات ثائراً، مسعوراً ومتمرداً، في تلك الأوقات المتفجرة الصاخبة التي أزهرت حينها باقة من أفضل أفلامه السياسية التحريضية الألقة.
لكنني حين جلست وأياه، أصغي اليه بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على ذلك، لم أستطع أن أتوقف عن التفكير في الحافز الذي دعاه في الفترة المتأخرة أن يعمل فيلماً عن بوذا. صحيح، أنه مازال يوجد القليل من ألق ماكر في عينيه، وأزعم أنه كان لزام عليه أن يغضب أحياناً، لكن لم يحدث أي شيء من هذا هنا.. لاشيء سوى الهدوء.. الهدوء الذي كان يشع من وجهه وعينيه في ذلك اليوم، حيث تقابلنا في مهرجان
" لوكارنو السينمائي" في سويسرا.
كان يشعر بيرتولوتشي وسط الناس في ذلك المهرجان بنوع من الفخر بشخصه وأفلامه.
الناس يتذكرونه دائماً لفيلمه "التانغو الأخير في باريس" و "الإمبراطور الأخير" ( والذي حصل عبرهما على تسعة جوائز أوسكار). إلا إنني أعتبر فيلم "الممتـثـل" هو الأعظم من بين كل أفلامه، بسبب إحتوائه على كل العناصر التي تجعل من أعماله خصبة، مؤثرة، وقوية جداً: الرؤية السياسية، المنظور التأريخي، مأساة الكائن البشري، التمثيل الفانتازي، ومحتمل أن الأفضل من بين كل تلك العناصر هو قوة معالجاته الضوئية، تلك التي كان يقف ورائها خيال "فيتوريو ستورارو"(6) الخلاق، الذي يعتبر أحد أفضل مخرجي فن الفوتوغرافيا في العالم حساً في الضوء واللون والتكوين والإيقاع، بل وأشهر المصورين السينمائيين معرفة بإمكانيات الكاميرا السينمائية في إعادة خلق العالم التخييلي للفنان، وهو الذي عمل تقريباً في كل أفلام بيرتولوتشي..
حين طلبت منه في ذلك اللقاء أن يعطينا درساً من خبرته الإخراجية في السينما، إبتسم قليلاً، ربما،
بسبب نبذه لفكرة الدروس السينمائية، تلك التي ُتذكّر برمادية النظرية وقاعات الدرس المضجرة، أو ربما بسبب رفضه لأساتذته السينمائيين في الستينات وعدم رغبته في العودة ثانية إلى تلك الأيام. إلا إن المدهش، هو أنه أبدى موافقته بكرم وتواضع جميلين على عمل ذلك اللقاء، بل أثبت في النهاية، وعلى العكس من مزاعمه، أن في جعبته الكثير ليقوله ويقوله بهذا الشأن…).
***
( هدف الفيلم هو أن يحّـلق بنا إلى مكان آخر مختلف تماماً )
لم أذهب للدراسة في معهد أو كلية سينمائية لدراسة السينما على الإطلاق. كنت محظوظاً جداً، أنني عملت في شبابي مساعداً في أفلام بيير باوزوليني، وهناك تعلمت حقاً أسرار فن الإخراج .
كنت و لسنوات عديدة، فخوراً بعدم حاجتي للتوجيه النظري، ومازلت حتى الآن، أؤمن أن أفضل معهد أو كلية ممكنةهو موقع تصوير الفيلم، المكان الذي يتم فيه تصوير أحداث الفيلم. هذه هي النقطة الأولى .
لابد لي هنا أن أنوه أن الفرصة التي أتيحت لي للعمل مع باوزوليني لايمكن أن تتاح لأي ٍ كان.
النقطة الأخرى، أن دراسة كيفية عمل الأفلام والوصول إلى أسرار هذه المهنة الشاقة والشيقة، من وجهة نظري، هو ليس فقط أن تعمل أفلاماً، بل عليك أيضاً أن تشاهد الكثير والكثير من الأفلام.
هاتان النقطتان تتساويان في أهميتهما، ومحتمل أن يكون هذا هو السبب الوحيد الذي يدعوني إلى دفع من يريد أن يمتهن هذه المهنة في أن يلتحق بمعهد أو كلية للسينما اليوم:
إنها فرصة إستكشاف لأسرار جميع أنواع الأفلام، تلك التي لايمكن أن تشاهدها في الصالات العامة.
لكن، لو سألني أحد ما أن أدرّس الإخراج، فسأ قع في حيرة حقاً. وإذا قدّر لي أن أدخل اللعبة، فلن أعرف كيفية البدء.
حسناً، ربما أنني سأبدأ، ببساطة، برغبة وقناعة مني، أن أعرض لهم أفلاماً. أما الفيلم الذي سأختاره من بين جميع تلك الأفلام فسيكون بالتأكيد فيلم "قواعد اللعبة" لجين رينوار. سأحاول أن أظهر للطلاب في هذا الفلم، كبف أن رينوار إستطاع أن يشيد جسراً بين الإنطباعية، فن والده الرسام أوغست رينوار، وبين فنه هو، السينما.
سأحاول أن أبرهن لهم أيضاً كيف أن هذا الفيلم كان قد حقق هدفه، ذلك الهدف الذي يسعى أي فيلم إلى تحقيقه، وهو أن يحلق بنا إلى مكان آخر مختلف تماماً.

( دع الباب مفتوحاً )
لقد تسنت لي فرصة لقاء جين رينوار في لوس أنجلوس في السبعينات، وكان عمره قد ناهز الثمانين عاماً تقريباً آنذاك، وكان يستعمل كرسياً متحركاً.
تحدثنا لمدة ساعة واحدة تقريباً، وقد أدهشني أن أجد أن أفكاره المتعلقه بالسينما، كانت ذات الأفكار التي ظننا أننا نحن الذين إكتشفناها آنذاك في موجتنا الجديدة، بإستثناء واحد،هو أنه كان يمتلك تلك الأفكار قبلنا بثلاثين عام!
أتذكر أنه قال لي شيئاً ترك إنطباعاً شديداً لديّ، بل كان أبلغ درس تعلمته حول كيفية عمل الفيلم، والذي لم أتعلم مثله في كل مكان. قال: "ينبغي عليك على الدوام أن تترك باب موقع التصويرمفتوحاً، لأنك لاتعرف مالذي يمكن أن يدخل عليك".
إن ماكان يعنيه بذلك، بالطبع، هو أن عليك أن تعرف كيف توفر حيزاً لما هو غير متوقع، لما هو مفاجىء ولما هو عفوي وتلقائي، طالما نحن غالباً، نفكر في خلق سحر السينما.
أنا في أفلامي، أترك الباب مفتوحاً على الدوام لأسمح للحياة أن تدخل إلى موقع تصوير الأحداث.
وربما سأوقع نفسي في تناقض إذا قلت لك، أن هذا هو السبب الذي يدعوني وبشكل متزايد إلى العمل
بسيناريوهات مبنية ومّركبة سلفاً. سأوضح لك هذا الإلتباس حالاً.
إذا كان لدي قاعدة صلبة، سيناريو مبني بناءاً جيداً، لأتحرك منه



























