السينما والرواية

فبراير 6th, 2009 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

السينما والرواية:

جدلية التأثير والتأثر….

محمد بلوش/اسبوعية الشروق المغربية 06/02/2009

من المحاور التي ترددت في ملتقيات سينمائية كثيرة، أو عبر انشطة الجمعيات وبعض المؤسسات، وعلى صفحات المجلات والكتب المتخصصة في الشأن السينمائي، علاقة هذه الاخيرة بالادب، والرواية تحديدا..

والطابع الاشكالي المستنتج عادة، اننا قلما نجد توحدا في الرؤى، من خلال المقاربات والقراءات التي خاضت في ذلك النقاش، بحيث نجد ان جانبا منها يكاد لايعترف بأية علاقة ممكنة بين المجالين، انطلاقا من كون السينما تزاوج مابين الفن والصنعة التجارية، وكون الرواية لايقوم نجاحها او يدعم رواجها مالم يتم النظر الى نوعية وقيمة موضوعها، ومدى علاقتها بالاسئلة الوجودية الاساسية في حياة الانسان بوصفه كائنا اجتماعيا.

هذا الاخير، يعتبر المنطلق والهدف معا بالنسبة للفن الروائي في مجمل الحالات، العامل الذي يبرر مثلا ضعف إقبال القراء على قراءة موضة ما يسمى ب” الرواية الجديدة”، التي تنطلق من ” تشييء” الانسان في مجتمع الآلة والتكنولوجيا، محاولة زحزحة السطوة الكلاسيكية لمفهوم

” الشخصية”، الى درجة ان ” ناتالي ساروت” لاتجد ادنى غضاضة للاقرار بفقدان الشخصية الروائية لقوتها الاقناعية : ” فأصبحت في العمق تجسيدا للابتذال والوهم، وذلك بكثرة استنساخها عبر انماط لاحصر لعددها، فقد ولى منذ عهد، ذلك الوقت الذي كنا نؤمن فيه بقدرة الشخصية الروائية على ان تعبر وحدها، ليس فقط عن واقع مجهول ما، بل كذلك عن الواقع المرئي واليومي الذي نعرف ” (1).

يصبح من البساطة اذن تبرير ذيوع صيت روايات من حجم ” الاخوة كارامازوف”، ” جيرمينال”، ” عناقيد الغضب”، ” زوربا الاغريقي”، وغيرها من الاعمال الروائية المتميزة، مقابل ضعف الترحيب بروايات مثل ” الغيرة” ، التي يؤكد كاتبها ” ألان روب غرييه” بشأنها أن ” الجمهور الذي اعتاد على ان نقدم له الاشياء سائغة، يستاء من كون روايتنا غير مفهومة، فهو يسألنا: ماذا يعني كل هذا؟ ماذا اردت ان تقول في روايتك؟ هنا، نشعر بحرج شديد، فنضطر للاجابة بصراحة: نحن لانعرف بعد..” (2).

ان الصنعة الفيلمية قد تراهن على الجوانب التقنية، بما في ذلك توظيف انظمة وبرامج الحاسوب لخلق صور افتراضية غير متناهية، بل، غالبا ما تشكل تلك الصور العمود الفقري لأفلام عدة، مثل ” حرب النجوم”، ” القناع”، ” ماتريكس”، ” الحديقة الجوراسية” وغيرها من النماذج الشبيهة، والتي تكون مواضيعها اقرب ماتكون الى عوالم الفانطاستيك او الرداءة في بعض الحالات، لكن، رغم ذلك نجدها تحقق نجاحا ملفتا على مستوى حجم الايرادات، نظرا لقوة جانب الصنعة والتقنية الموظفة، دون رسالة او موضوع واضح المعالم، وهذا ما يؤكد صحة مقولة الناقد السينمائي ” دافيد روبنسون” الشهيرة : ” السينما فن يعتمد في الاصل عدة أسس: الاستتيقا، التكنولوجيا، الاقتصاد والجمهور “(3).

وبقيامنا بفلاش باك نوعي، خصيصا على مستوى مراحل التطورات الكبرى للفن السابع، عادة ما نضطر للاعتراف بالدور الهام الذي لعبه المخرج الفرنسي ” جورج ميليس” في خلق تحول جذري وجوهري، إذ حين قام الاخوة ” لوميير” سنة 1895 بعرض اولى عروض السينماتوغراف، لم تكن المشاهد التي كانت تعرض على الشاشة تتجاوز الطابع التسجيلي الجامد او الآلي لبعض الوقائع اليومية ( طابع سنلاحظه كذلك في اعمال ” ماك سينيث” بنوع من التفرد والتطوير لاحقا)، وكانت تلك المشاهد تخلق في الغالب مواقف انبهار وهلع، لهول حيلة التماهي المتحقق بين الجمهور والمادة المقدمة إليه، كعنصر الخوف من مداهمة القطار لجمهور مقهى الكابيسينوس مثلا.. 

السينما كانت الحاجة إليها علمية بالدرجة الاولى، وذلك قصد تمكين علماء الفيزياء من دراسة الحركة دراسة علمية دقيقة، دون ان يكون القصد الوجودي خلق فرجة ما، تستهدف لذة الامت

المزيد


حوار

يناير 7th, 2009 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

تاركوفسكي..

رحلة إلى عالمه الداخلي (*)  

                           "نوستالجيا، أو، الحنين إلى الوطن"

علي كامل

(ترجمة عن اللغة الروسية)

 

123135

كان تاركوفسكي أشبه بمعجزة.. أحسست فيه بمن يشجعني ويحثني، بمن يعبرّ عما كنت أريد أن أقوله دائماً، ولكن من دون أن أعرف كيف أقوله.. تاركوفسكي بالنسبة لي هو الأعظم.. لقد إبتكر لغة جديدة.."                                                                                  

                                                                                                    (بيرغمان)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
 
 
 

                                                 (نص المقابلة) 
 
 

باخمان:  وددت في البدء أن أسمع إنطباعاتك عن العمل في الخارج.. 

تاركوفسكي: فيلم "الحنين" (**) هو أول فيلم وبداية أول تماس لي بتقاليد العمل في الخارج. إن عملية تصوير فيلم هو أمر عسير في كل مكان دون شك، لكنني مع ذلك أظن أن الصعوبات يمكن أن تتغير.

أصعب مأزق هنا في الغرب وعلى الدوام هو شحة التكاليف المالية لإنتاج فيلم، كذلك ضيق الوقت. الجانب المالي، على وجه الخصوص، يضع عراقيل كثيرة في طريق إنتاج أي عمل إبداعي. وهكذا وبسبب شحة المال وعدم كفايته في تغطية تكاليف العمل الفني تبرز معضلة عدم كفاية الوقت.

كلما صورت كثيراً كلما زادت التكاليف. المال هنا في الغرب يلعب دور المستبد.

في بلادنا لم افكر مطلقاً في شيء إسمه الكلفة!.

حين وجهّت شركة التلفزيون الأيطالية دعوة لي لإخراج فيلم في إيطاليا كانت الميزانية المرصودة حينها للفيلم تكاد تكون شحيحة. وبما أنني لم تكن لديّ خبرة مسبقة للعمل خارج البلاد فكل الذي كنت أملكه هو فقط موافقتي على العمل، وكان المشروع يحمل صفة ثقافية وليس صفقة تجارية.

كان العمل مع فريق التصوير الأيطالي ممتعاً وقد ترك لديّ إنطباعاً طيباً لاسيما العمل مع الفريق التقني. إنهم فنيون محترفون وأصحاب خبرة، وأغلب الظن إن عملهم في فيلمنا منحهم إرتياحاً كبيراً. لآ أريد هنا أن أقارن بين أساليب عملنا وأسليب العمل في الغرب.

إن تصوير فيلم هو عملية عسيرة في كل مكان بغض النظر عن الظروف. لقد إقتنعت أن ثمة تبعية إقتصادية مباشرة هنا في الغرب، وإذا ما سادت هذه التبعية فإنها ستكون ذات نتائج خطيرة على مستقبل السينما وشكلها الفني. 

باخمان: إن فكرة النزاع بين الأنسان والعالم المحيط به تشكل محتوى أفلامك الخمس التي أخرجتها خلال مايقرب العشرين عاماً. فهل تتجلى هذه الفكرة أيضاً في فيلم "الحنين

تاركوفسكي: على العموم، وكما يبدو في النتيجة، فإن النزاع دائماً هو أقوى من الأنسان. الأبطال الرئيسيون يكاد يكونوا غالباً هم الضعفاء من الناس، أولئك الذين يتفجر الجبروت من ضعفهم.

النزاع بين الأنسان والمجتمع قائم على الدوام بين مزايا ذلك الأنسان ومحيطه. بمعنى أن ثمة علاقات متناحرة تسود بينهما بإستمرار، تلك التي نسميها "النزاع".

وفي حالة غياب تلك العلاقات المتناحرة فلا وجود في هذه الحال لشي إسمه نزاع!. 

إنني أشعر بمتعة هائلة في العمل مع أبطال كهؤلاء، ممن تكن علاقاتهم بالمجتمع وإرتباطاتهم به هي الصفة المميزة لذلك النزاع.

إنهم يعيشون في هذه الظروف العاصفة المحيطة بواقعهم، وبناء على كل ذلك، يبرز لديهم النزاع مع ذلك المحيط.

بوّدي دائماً أن أرصد وبإستمرار، على أي نحو يحسم هؤلاء البشر نزاعاتهم تلك. هل سيرضخون، أم سيظلوا أوفياء لمبادئهم وقيمهم الأنسانية.؟. 

باخمان: هل لك أن تحدثنا عن الكيفية التي ظهرت فيها فكرة فيلم "الحنين"؟ 

تاركوفسكي: لقد قمت برحلات وجولات إلى إيطاليا، وفي عام 1980 عقدت العزم على أن أعمل فيلماً سوية وصديقي الكاتب والشاعر والسيناريست الأيطالي تونينو غوييرا ( ***).

في هذا الفيلم أردت أن أوظف مجمل إنطباعاتي عن تلك الرحلات لهذا الفيلم.

البطل الرئيسي "غورتشاكوف" الذي لعب دوره أوليغ يانكوفسكي، هو مثقف روسي يسافر في مهمة إلى إيطاليا، وتسمية الفيلم جاءت من كلمة "نوستالجيا" أي الحنين. وهذه الكلمة لاتعني بالضبط، الشوق إلى ذلك العالم الذي يقف بعيداً عنا، والذي لم نستطع أن نتوحد فيه، وإنما تعني أيضاً، ذلك الشوق إلى الوطن، إلى منزل الطفولة النائي، إلى إنتمائنا الروحي.

لقد أجرينا تطورات جوهرية على الحدث ولمرات عديدة في مرحلة كتابة السيناريو ومرحلة التصوير.

لقد أردت أن أعبر في هذا الفيلم عن إستحالة العيش في عالم منفصل. غورتشاكوف، أستاذ تأريخ ذي شهرة عالمية ومعرفة بتأريخ الآثار الأيطالية تتاح له ولأول مرة إمكانية مشاهدة الأبنية المعمارية والآثار الإيطالية، تلك التي أصبح خبيراً بها من خلال الرسوم والصور الفوتوغرافية فقط!. إلا أنه، وبعد وقت وجيز من وصوله إلى إيطاليا، بدأ يدرك إستحالة أن يكون الأنسان وسيطاً أو مترجماً أو مختصاً بالأنتاج الفني مالم يكن هو نفسه جزءاً من تلك الثقافة التي خلقت هذا الأنتاج الفني.

هدف رحلة غورتشاكوف إلى إيطاليا على وجه الخصوص هو العثور على أثر لأحد الموسيقيين الروس القليلي الشهرة، والذي عاش في القرن الثامن عشر، وهو قن سابق تابع إلى كونت روسي، كان بعثه إلى إيطاليا ليتعلم هناك موسيقى البلاط.

لقد درس ذلك القن في الكونسيرفاتور "معهد عال للموسيقى" عند جان بلتيستي مارتيني، وأصبح فيما بعد موسيقاراً شهيراً، وعاش في إيطاليا حراً طليقاً.

إن أحد المشاهد الهامة في الفيلم هو المشهد الذي  ُيطلع فيه غورتشاكوف مرشدته ومترجمته الشابة والتي تنحدر من أصل سلافي، على الرسالة التي كتبها الموسيقار وبعث بها إلى روسيا، وفيها يعّبر عن شوقه وحنينه إلى الوطن.

قيل فيما بعد أن ذلك الموسيقار عاد إلى روسيا لكنه أصبح مدمناً على الكحول ومات منتحراً!.

إن تأريخ إيطاليا وفتنتها كانا قد فجّرا عند غورتشاكوف إنطباعات مذهلة، فأصبح يعاني من عدم القدرة على أن يوّحد في نفسه مابين إيطاليا ووطنه روسيا. الأنطباعات الأولى التي منحتها أياه إيطاليا كانت تحمل طابعاً معرفياً، إلا أنه سرعان ما أدرك بإن عودته إلى الوطن ستضع نهاية لهذه المعرفة، وإن ما سيتبقى منها هو قشرتها الخارجية فقط.

هذا الأحساس فجّر لديه شعوراً بالحزن لاسيما حين أدرك أن ليس بإستطاعته نسيان تلك الأنطباعات، وإستحالة إستنتاج شيء جديد من المعارف التي إكتسبها في إيطاليا. هذه الحالة أصبحت فيما بعد تزيد وتضاعف من وجعه الروحي.

الحنين، يتضمن في وعي غورتشاكوف، عدم قدرة أقربائه وأصدقائه من أن شاطرونه تلك الأنطباعات، وهذا ما جعل بقاؤه في إيطاليا معذباً، لكن ذلك في ذات الوقت، أيقظ فيه ضرورة البحث عن صلة قربى بالروح، تلك الروح التي سوف تشاطره معاناته.

فيلم "الحنين" هو نوع من الجدل حول طبيعة الحنين نفسه، أو عن طبيعة المعاناة التي تسمى "نوستالجيا" والتي تتضمن معنىً أوسع بكثير من الأكتئاب.

إن هذا الأنسان الروسي غورتشاكوف بمقدوره أن ينفصل ويفترق بعناد كبير عن أصدقائه ومعارفه الجدد، إلا أن شوقه إلى إيطاليا صار جزءاً مكوناً لذلك الأحساس الذي لديه، والذي هو الحنين. 

باخمان: كيف تجسدت روح القربى تلك، التي كان يبحث عنها غورتشاكوف؟ 

تاركوفسكي: لقد حاول غورتشاكوف أن يكشف عن إنطباعاته في أول لقاء له مع أحد الإيطاليين وهو معلم رياضيات إسمه دومينيكو " لعب دوره الممثل السويدي أورلند جوزيفسن " والذي يعتبره أهالي المدينة الواقعة في توسكانيا، جلاً مجنوناً.

دومينيكو هذا كان قد إحتجز عائلته في منزل منعزل قرابة سبع سنوات مهدداً أياهم بحلول نهاية العالم!.

هذا المجنون الصغير، الحالم الغامض، أصبح كما لو أنه شريك لغورتشاكوف. لقد كان دومينيكو واعياً بأحاسسيه وشكوكه، وكان يعي أيضاً أقصى حالات القلق الروحي لغورتشاكوف، بل كان مدركاً لكيفية تضخم ذلك القلق!.

دومينيكو كان يبحث عن مغزى للحياة، ذلك المغزى الذي يكمن في مفهوم الحرية والجنون. وهو من جانب آخر كان يمتلك إحساساً طفولياً وعاطفية غير مألوفة، وتلك صفات لاتوجد لدى غورتشاكوف.

إن جرحه الطري الأخير كان ينزف بسبب من أزمته الحياتية العميقة. هكذا، وكمجنون إيطالي صغير، تجده يحدق ببساطة في الأشياء، مقتنعاً أن وعيه الباطن ووجدانه المتنور سيعثران عبر مجمل الوضع العام على علاج لأمراض المجتمع.

السيناريست تونينو غوييرا كان قرأ عن هذه الشخصية في إحدى الصحف وكنا قد وضعنا فيما بعد، في وقت متأخر، أنا وهو شخصية دومينيكو في السيناريو بعد أن أضفنا عليها شيئاً من السحر الطفولي.

إن صدقه الطفولي في معاشرة العالم المحيط به، يذكرنا بصدق ويقين الطفولة. دومينيكو كانت تشغله فكرة إنجاز طقس ما، وهو أن يحمل بيده شمعة مضيئة ويسير في حوض ماء ساخن في حمام روماني قديم وضخم يقع في قلب ريف توسكانيا، وقد حاول غورتشاكوف القيام بذلك في وقت متأخر جداً بدلاً عنه، أما هو فقد كان يعتقد بأن المعضلة بحاجة إلى فعل أكبر، إلى وجوب تقديم تضحية أكبر. وهكذا سافر إلى العاصمة روما وإعتلى تمثال الأمبراطور ماركوس أفريلي، الفيلسوف الوحيد الذي جلس على عرش روما، والذي كان يدعو الناس إلى التكافل والتفاهم المشترك. من هناك، من أعلى التمثال، وقف دومينيكو يلقي خطبته المؤثرة وسط جمع من المجانين، عن محنة البشر وعدم قدرتهم على التوحد. وبعد أن أنهى تلك الخطبة صب الزيت على جسده وأضرم فيه النار وأحرق نفسه منجزاً ذلك الطقس بإيمان هادىء في الخلاص. 

باخمان: هل توجد ثمة سمات مشتركة لدى أبطالك الرئيسيون تجعلك تقارن بينهم؟ 

تاركوفسكي:  دعنا نقول هكذا، إن أكثر سمة أعشقها في الناس هي الثبات الذي يمتزج بالعناد والجنون في محاولات للوصول إلى صفاء أكبر، هذا الثبات الذي ينبغي أن يتسم بالأمل

 

123135

باخمان: ألا تجد أن العلاقة التي تربط بين بطلين هي خلاصة لأحاسيسك الذاتية؟ 

تاركوفسكي: غورتشاكوف ينظر إلى دومينيكو المجنون على أنه شخصية متماسكة ومنطقية. دومينيكو كان يؤمن في كل ما يفعل، في حين كان ينقص غورتشاكوف ذلك الأيمان، لهذا تجده مشدوداً إلى دومينيكو. وهكذا وبفضل تطور علاقتهما، يصبح دومينيكو شريكه الذهني.

إن أشد الناس قوة في الحياة هم أولئك الذين نجحوا في الحفاظ على الصدق الطفولي والثبات الوجداني في أرواحهم حتى النهاية. 

باخمان: من الواضح أن لديك أسساً ما إعتمدت عليها في تصوير فيلم كهذا، حيث يبرز بجلاء مغزى التحرر من التوتر الداخلي؟ 

تاركوفسكي: الجوهري لديّ هو أن  ُأظهر للناس وبإستمرار عظمة وقدسية المعاشرة الأنسانية. حين ينزوي الأنسان في ركنه فإنه يحيا فقط من أجل ذاته، وما الهدوء الذي يغزو كيانه إلا محظ خداع محض. فقط حين يرتبط إثنان في تماس ٍ ما، عندذاك تبرز مشكلة إلى السطح: السؤال هو، كيف يمكن تعميق هذا الأرتباط؟

إن فيلمي يعالج أولاً، وقبل كل شيء، طبيعة النزاع بين شكلين من الحضارة، أسلوبين مختلفين للحياة، نمطين متباينين للتفكير. ثانياً، يتحدث الفيلم عن تلك العقبات التي تظهر في العلاقات بين البشر، ومثال على ذلك، العلاقة التي تنشأ بين غورتشاكوف ومرشدته الشابة يوجينيا، والتي تكاد تكون قصة حب غير مكتملة بسبب أن قيام علاقة حب بينهما هو أمر مستحيل!.

لقد أردت أن أظهر تلك الأستحالة في قيام علاقة ما مع الآخر بسبب أنك لاتعرف عنه إلا القليل!.

من اليس حقاً إقامة علاقة بين إثنين، إلا أن الصعوبة تكمن في جدلية فهم أحدهما للآخر!.

إذا كانت الفكرة قد عولجت تحت تأثير وجهة نظر كهذه، فهذا يعني أن الفيلم أظهر إستحالة توريد أو تصدير الثقافة أيضاً!.

نحن في بلادنا نبالغ حين نعتقد أننا نعرف " دانتي " أو "بترارك" لأن ذلك غير صحيح.

الإيطاليون يرتكبون ذات الخطأ حين يظنوا أنهم يعرفون "بوشكين". فإذا إفترضنا أن مسألة "المعرفة" تلك هي مسألة غير جوهرية، فهذا يعني أنه لاتوجد إطلاقاً إمكانية لنقل ثقافة شعب إلى ثقافة شعب آخر.

إن عذابات غورتشاكوفتبدأ فقط حين يصبح لديه يقين تام بإستحالة قيام علاقات حقيقية بين الناس، لذا تجده يقوم في البحث عن شريكه الذهني دومينيكو، الذي يعاني من حالة فصام داخلي، والذي يضحي بحياته من أجل البحث عن الخلاص.

الجميع ينظر إلى دومينيكو على أنه مجنون، وربما هذا هو الواقع. إلا أن أسباب جنونه، أحاسيسه وإستجاباته، كلها مألوفة وطبيعية تماماً بالنسبة لغورتشاكوف.

لقد بدت لنا شخصيته، لاسيما أوقات التصوير، قوية ومحسوسة جداً، وقد إستطاع أن يعكس قلق غورتشاكوف بوضوح تام، مجسداً أيضاً إستحالة قيام علاقات حقيقية بين الناس.

لقد إستطاع دومينيكو، وعلى درجة محددة، أن يعبّر عن "الخوف" الذي نشعر به جميعاً، والذي نحن مكرهون على أن نحياه. الخوف الذي نقع تحت هيمنته ونحن بإنتظار زمن مقبل آخر.

الجميع قلقون حول المستقبل، وفيلمنا يتحدث عن هذا القلق وعن "لامبالاتنا".

إنه دعوة إلى السعي لتطوير مسلكنا المألوف، ومع ذلك ورغم تفاقم قلقنا، فإننا لم نصنع شيئاً، نعم، وما أنجزناه هو قليل جداً ويلزمنا متابعة العمل أكثر وأكثر.

إن مساهمتي البسيطة في هذا الأمر هي إنجاز هذا الفيلم الذي يُظهر كيف أن نضال دومينيكو يعنينا جميعاً، ويُظهر أيضاً أنه على صواب حين يتهمنا جميعاً باللامبالاة.

إنه مجنون يتهم الناس بضعفهم، وتضحيته بحياته ما هي إلا محاولة منه لزعزعة المحيطين به، ولدفعهم للإسهام في تغيير الأوضاع. 

باخمان: هل تشاطر أنت شخصياً آراء دومينيكو عن العالم ومنهجه في التفكير؟ 

تاركوفسكي:     الجوهري في شخصية دومينيكو ليست آراؤه عن العالم والتي كلفته تل

المزيد


حوار

ديسمبر 30th, 2008 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

تاركوفسكي في المرآة) 

         محادثة بين أندريه تاركوفسكي و تونينو غوييرا..* 
 2/2

ترجمة وتقديم : علي كامل/لندن

 

123067

غوييرا: اقتباسات أخرى؟ 

تاركوفسكي: مرة أخرى في فيلم "المرآة". خذ مشهد المرشد العسكري. ثمة لقطتان أو ثلاثة لقطات مستلهمة من لوحات الرسام بروغل: الصبي، الأشخاص ذو القامات القصيرة، الثلج، الأشجار العارية، النهر من بعيد.

لقد شيدت تلك اللقطات بشكل واع جداً ومدروس، وليس من منطلق اظهار حجم ثقافتي، بقدر ما كنت أريد أن أدلي بشهادة حب وأعتراف بالجميل لبروغل، لأعتمادي عليه، أردت أن أعبر عن الأثر العميق الذي تركه في حياتي.

في "أندريه روبولوف" أعتقد أن هناك مشهداً ينسب إلى المخرج الياباني العظيم ميزوغوتشي. لقد كان مشهداً عفوياً، ولم أميزه إلا حين أكملنا الفيلم وفي لحظة عرضه.

انه المشهد الذي يعدو فيه الأمير الروسي بحصانه الأبيض عبر الريف، فيما يمتطي التتري حصاناً أسود.

لقد بدا لي أن سجية الصورة بالأبيض والأسود، أن غموض وظلمة النهار الرمادي كانت تميل لأن تشبه منظراً طبيعياً مخطط بحبر أسود صيني.

الحصانان يركضان أحدهما جنب الآخر، فجأة يصرخ التتري، يصفر بفمه، يضرب الحصان بالسوط ويبدأ في تجاوز الأمير الروسي.

الأمير يحاول مطاردة التتري لكنه لا يستطيع الوصول إليه. في اللقطة اللاحقة نرى الأثنان ساكنان دون حركة، ولاشيء بعد ذلك سوى صورةالأمير الروسي وهو يتذكر محاولاً الوصول هو وحصانه إلى التتري، لكنه يفشل في تحقيق ذلك.

هذه اللقطة ثانوية تماماً وظيفتها دفع وتقدم نمو القصة. إنها، على نحو أدق، تحاول أن تعبر عن حالة الذاكرة ولتضيء العلاقة بين هذين الرجلين. إنها أشبه بلعبة بين صبيين، أحدهما يركض ليسبق الآخر قائلاً: "لا يمكنك أن تمسكني!" والآخر يركض خلفه محاولاً بأية طريقة الوصول إليه، لكنه لا يستطيع فعل ذلك. وبعدها، فوراً، ينسيان اللعبة ويتوقفان عن الركض. 

غوييرا: جوهرياً، أن من يدعّي أنه لايقتبس من أحد، فهو كمن يدعّي أن ليس لديه أب أو جد أو…  

تاركوفسكي: أنا مقتنع بذلك أيضاً.

يبدو لي أن أي جانب أصيل في عمل الكـتاّب أو الرسامين، الموسيقيين أو مخرجي الأفلام، الحقيقيين، يحتوي دائماً على جذور عميقة، لذا فأن العودة إلى  مصادر الماضي البعيد، هو شيء متعذر اجتنابه.

أنا لا أعرف حتى من أين نشأ ذلك. ربما أن ذلك هو ليس خاصية لحالتنا الروحية، بل هو مظهر نمطي لزمننا، لأن الزمن رغم ذلك له وجهان، فهو متقلب وقابل للأنعكاس، وهذا على الأقل ما أعتقده.

نحن غالباً ما نكتشف أن ثمة شيئاً ما كنا قد مارسناه أو جربناه من قبل.

أنا شخصياً، تأملي لأفلام بريسون*** والتفكير بها ملياً، يساعدني كثيراً أثناء عملي. مجرد التفكير ببريسون، ولا أتذكر بالتحديد أي فيلم من أفلامه، من شأنه أن يعزز فيّ أشياء كثيرة. أتذكر فقط طريقته الزاهدة المتقشفة القصوى، بساطته، ووضوحه.

إن التفكير ببريسون ساعدني، حقاً، على التركيز على الفكرة الرئيسية للفيلم. 

غوييرا:  وهل فكرت بأي إيطالي؟ هل كان لديك يوماً ما حافز أو دافع لتقتبس منهم؟ 

تاركوفسكي: أنتونيوني يخطر بذهني أحياناً، خصوصاً أفلامه التي صورها بالأبيض والأسود.

            وفيلمه "المغامرة" أفضّـله، على وجه التحديد، من بين جميع أفلامه.

فيلم "ثمانية ونصف" لفلليني أيضاً، لكن ليس من وجهة النظر المجازية.

من وجهة النظر المجازية البحتة أنا أهتم بالحلول الشخصية، أو يمكن القول بالطبيعة الروحية لفيلمه "كازانوفا" في استخدامه للمواد المطواعة اللدنة ذات الخاصية البلاستيكية.

الجانب الشكلي في هذا الفيلم، من وجهة نظري، هو ذو مستوى عال بشكل غير محدود. أما لدانته ومطواعيته فهي عميقة بشكل لايصدق.

حين أقوم بتصوير فيلم ملون أتذكر أحياناً لقطات أخرى من أحد مشاهد أفلامه" ثلاث خطوات نحو الهذيان" **** عن الممثل الذي قدم إلى روما ليلعب دوراً. أتذكر تلك اللقطة المذهلة في الطائرة، اللقطة الأستعراضية في داخل الطائرة، وإستخدام الأنوار الكاشفة في المساء، ذلك المشهد الضارب إلى الصفرة بكاميرا تصور الناس والطائرات من الأعلى من خلف الألواح الزجاجية… نعم، أتذكر تلك الأضواء.

هذه ليست طريقتي بالطبع. أنا أحب أن أكون بسيطاً فطرياً قدر الممكن. 

غوييرا:  هل تفكر بعمل شيء ما مباشرة بعد فيلم "الدليل" ؟ أعني أن تبدأ في عمل جديد؟ 

تاركوفسكي: أحب أن أبدأ تصوير الفيلم الذي أتفقنا أنا وأنت عليه "رحلة إلى إيطاليا" وبأمكانك أنت أن تتحدث عنه أكثر مني.

على أية حال، علينا أن نعرف كيف نتجنب السينما المملة، السينما التجارية، وهذا لايعني أننا سنفقد المتفرجين.

أحب أن أعمل فيلماً سنفقد فيه بعض المتفرجين ونكسب متفرجين جدد آخرين كثيرون. أحب أن يشاهد فيلمنا أناس مختلفين ومتنوعين كي لاتسمى سينما المتفرج. 

غوييرا: أحد ما أخبرني أنك تحب أن تغير طريقتك السينمائية تماماً. هل هذا صحيح؟

 

123067

تاركوفسكي: نعم، لكن فقط لا أدري كيف. سيكون ذلك رائعاً، أن تصور فيلم بحرية تامة، تماماً مثل الهواة حين يعملون أفلامهم. نبذ الميزانية الباهضة.

أحب أن تكن لدي الأمكانية لمراقبة وملاحظة الطبيعة والناس بعناية، وأن أصورهم دون عجالة.

 القصة ستولد آلياً كنتيجة لتلك المراقبة والملاحظة، وليس عبر تلك اللقطات المضطر للألتزام بها أو المجبر على تصويرها، تلك المصممة بتفصيل دقيق.

فيلم كهذا سيكون من الصعب تمييزه، بالطريقة التي تميز بها الأفلام التجارية.

سيكون تصويره بحرية مطلقة، غير خاضعة للأضاءة أو للممثلين أو وقت العمل في التصوير..ألخ.. والتقليل بعض الشيء من فحص الكاميرا بين الحين والآخر.

أظن أن طريقة كهذه يمكن أن تدفعني إلى الحركة أكثر نحو الأمام. 

                               أندريه تاركوفسكي ( 1932 - 1986 )               *** 
 فيلموغرافيا

أندريه تاركوفسكي إبن الشاعر الروسي الشهير أرسيني تاركوفسكي.

مخرج سينمائي وسيناريست، حاصل على لقب فنان الشعب في العام 1982 

                                                              1961  أكمل معهد السينما العالي في موسكو "فغيك" بعد أن تتلمذ على يد البروفيسور والمخرج والمنّظر السينمائي ميخائيل روم. أخرج فيلم التخرج "المدحلة والكمان" وقد شارك في كتابة السيناريو مع أندرون كونتشيلوفسكي، وكان الفيلم من إنتاج ستوديو موسفيلم.

1962 أخرج فيلم "طفولة إيفان". سيناريو فلاديمير بوغومولف وميخائيل بابافا.

حصل الفيلم على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان فينيسيا في العام نفسه.

1966 ـ 1971 أخرج فيلمه الشهير "أندريه روبولوف". كتب السيناريو هو وأندرون كونتشيلوفسكي

1972 أخرج فيلم "سوليارس" المقتبس عن رواية س. ليما. كتب السيناريو هو و فردريك غورنشتاين.

أخرج فيلم "المرآة". كتب السيناريو هو والكسندر ميشارين.   1975

   أخرج مسرحية "هملت" على خشبة مسرح لينكوم. موسكو.  1977

1980 أخرج فيلم "الدليل" المأخوذ عن رواية "نزهة على حافة الطريق" لأركادي ستروغاتسي وبوريس ستروغاتسي، اللذان قاما في كتابة السيناريو أيضاً.

1982 أخرج الفيلم الوثائقي "زمن الرحلة" وكتب السيناريو سوية هو والسيناريست الإيطالي تونينو غوييرا.

      أخرج أوبرا "بوريس غودونوف" للشاعر الروسي بوشكين على خشبة مسرح كافيرن  غاردن ـ لندن

1983 أخرج فيلمه "الحنين". كتب السيناريو معاً وتونينو غويرا.

1986 أخرج فيلمه الأخير "القربان" حيث كتب السيناريو بنفسه، وكان الفيلم من إنتاج معهد السينما السويدي.

حاز الفيلم على جائزة "الإبداع السينمائي" في مهرجان كان السينمائي من نفس العام.

كان الفيلم يومها محظوراً في بلده حتى عام 1986، إلا أن الجمهور الروسي إستطاع مشاهدته ولأول مرة بعد وفاته.

نفس العام أعيد له الأعتبار في بلده، لشخصه كمواطن، ولأفلامه كفنان.

أكمل تاركوفسكي كتابه"النحت في الزمن" وهو على فراش المرض، حيث شخص الأطباء يومها بداية اصابته بسرطان الرئة.

كان تاركوفسكي ذلك العام يقيم في باريس، منفياً بعيداً عن وطنه، بعد أن انضمت إليه وزوجته وولده الوحيد أندريوشكا، الذي سمح له بالسفرإلى باريس فقط لأن الجميع عرف أن تاركوفسكي سيموت قريباً.

وبالفعل لم يمهله السرطان طويلاً، فتوفي هذا الأنسان والمخرج العظيم في 29 ديسمبر من نفس العام، ودفن في مقبرة القديس جينيفير ديس بويس الأرثدوكسية بالقرب من باريس حسب وصيته.  

                                                      *** 
 
 

                      * تونينو غوييرا ( 1920 ـ    )

      

                                               فيلموغرافيا 
 

      

المزيد


الجزء الاول من مساهمة خص بها الناقد والمخرج على كامل الكشكول

نوفمبر 23rd, 2008 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

الواقع والمتخيل في سينما بيرتولوشي

(1)

ترجمة وتقديم : على كامل / لندن 

                                                              

(لقد عرفت الحياة من خلال الأفلام، مثلما عرفها بورغيس عبر الكتب..(1))

                                            بيرتولوشي

 

                                                         

                                                                                                                                    

 

bertol

مقدمـة

 

 

       خلف الأفلام الإيطالية المجّددة والمبتكرة في السبعينات كان يقف صف من المخرجين الكبار أمثال فرانشيسكو روزي، ماركو بيلوتشيو، و ورثمولر، ماركو فيريري، و إتور سكولا، أولئك الذين أنتجوا أفلامهم الأولى في فجر ميلاد ماسمي حينها بـ الموجة الجديدة.

 

 

من بينهم جميعاً برز إسم بيرناردو بيرتولوتشي الشاعر الريفي الشاب، والمتمرد المناهض لجميع تلك المؤسسات الإجتماعية والدينية والسياسية التقليدية التي كانت قائمة في إيطاليا آنذاك.

 

هذا الشاب القادم من الشعر إلى السينما دخل روما العاصمة ليقول كلمته: (أريد أن أغيّر العالم!)..

 

 

 

يقول بيرتولوتشي، وهو يعود بذاكرته إلى  تلك السنوات: .. كانت الستينات فترة متألقة حقاً بالنسبة للسينما. أحسست يومها بإنتمائي الروحي إلى سينما الخندقة تلك التي إنتشرت آنذاك مثل النار في الهشيم، مقتحمة إيطاليا، فرنسا، بريطانيا، كندا وأمريكا و.. يحتمل، البرازيل..

 

كنت مسحوراً بشكل خاص بجودار وراسنيس، تروفو، ريفيني، ورومير وآخرين.. أتذكـّر أن الفكرة الرئيسية أو وجهة النظر التي كانت سائدة آنذاك وسط الموجة الجديدة العارمة تلك، والتي كنا نلتقي عندها جميعاً، هي رفض الحكاية أو القصة أو الحبكة في أفلامنا .

 

إن كل ماكنا نسعى إليه هو أن نتحدث عن السينما لاغير، السينما نفسها في أفلامنا!. بمعنى، إننا كنا كمن يعمل فيلمان يسيران معاً في فيلم واحد، أحدهم يحكي قصة، والآخر أشبه ببحث أو محاولة تجريبة، تختبىء بين السطور. (2)

                         

 

ولد بيرناردو بيرتولوتشي في المقاطعة الريفية بارما في إيطاليا عام 1940، وهو إبن الشاعر والناقد السينمائي وأستاذ تأريخ الفن أتيليو بيرتولوتشي.

 

إبتدأ بيرناردو كتابة الشعر منذ طفولته، وكان  نشر قصائده الأولى في الدوريات الأدبية قبل بلوغه الثانية عشر من عمره.

 

في سن العشرين، وحين كان طالباً في جامعة روما، فاز بجائزة الشعر الوطني، بمجموعته الشعرية الموسومة بحثاً عن اللغز.

 

 

 

كان بيرتولوتشي قد أبدى في مراهقته حماسة ورغبة غير عادية نحو السينما، تلك العدوى التي إنتقلت إليه من والده، الذي كان يصطحبه دائماً معه إلى صالات السينما لمشاهدة الأفلام. وقد عمل حينها فيلمين قصيرين ـ مقاس 16 ملم، مدة الواحد 15 دقيقة ـ  هما تيليفريك و ذبح الخنازير.

 

 

 

غادر بيرتولوتشي مقعد دراسته في الجامعة عام 1961 ليلتحق ببازوليني كمساعد مخرج في فيلمه

الشحاذ والذي سيظل بيرتولوتشي يتذكر تلك الفرصة التـاريخية في كل مناسبة بفخر وإعتزاز، والتي لم تتاح لأي من مجايليه الشباب آنذاك.

 

حقيقة الأمر إن الفضل في ذلك كله يعود لوالده أتيليو بيرتولوتشي، الذي سعى حينها جاهداً على نشر أول رواية لبازوليني. وهكذا جاءت تلك الفرصة التي منحها بازوليني لبيرتولوتشي كنوع من رّد ودّي وصادق لذلك الجميل.  

 

    أخرج بيرتولوتشي فيلمه الأول الوحش المرّوع أو الموت(3) بعد عام تماماً، والذي أقتبسه عن قصة لبازوليني بنفس العنوان، تتحدث عن عملية إستجواب تجري مع مجموعة أشخاص متهمين في قتلهم لإحدى المومسات، إلا أن ذلك الشريط  لم يحقق للمخرج الشاب  طموحأ يذكر، بل على العكس من ذلك، كان سبب له إحباطاً كبيراً، وكارثة مالية للمنتج، وأحدث ما يشبه الصدمة في الوسط السينمائي النقدي.

 

 

 

lastem

بعدها أمضى عامين للتحضير لفيلمه الثاني ماقبل الثورة الفيلم الذي سيثير إنتباه السينمائيين والنقاد على حد سواء نظراً لنضجه الفكري والجمالي، معلناً بذلك ميلاد مخيلة سينمائية مجددة ومبتكرة.


 

 

الفيلم هو أشبه بسيرة ذاتية أومذكرات شخصية، وإستكشافاً رومنتيكياً للحساسية الثورية لجيل شباب متمرد وغاضب، صّور فيه بيرتولوتشي النزاع  صعب التوفيق، بين الروح الثوري السياسي وبين الروح البورجوازي، ذلك الذي كان سائداً ليس وسط  الشباب الإيطالي حسب , بل هو نزعة سادت عموم شببيبة العالم آنذاك. وقد تجسدت تلك الحالة في الفلم بوقوف بطله منشطراً  بين عالمين متعارضين هما عالم السياسة وعالم الجنس.

 يومها، كان بيرتولوتشي واحداً من الناشطين السياسيين البارزين  في الوسط الثقافي الإيطالي، وقد إعترف في أكثر من مناسبة بأنه ماركسي، إلا أنه مع ذلك، كان قد وظف أشرطته السينمائية تلك كوسيلة للتعبير عن رؤاه السياسية الخاصة.

 

 

 

 

شخصيات الفيلم كانت تحمل نكهة ستاندالية، إلا أن أحاسيسها بيرتولوتشية خالصة، أما بيئتها الجغرافية فلم تكن فرنسية بل إيطالية محضة. كان الفيلم حقاً تعبيراً تاماً عن الأوهام الرومنتيكية.

وعلى الرغم من ثغراته الأسلوبية والإفراط في محاكاته لمعالجات غودار، إلا إنه أثار إهتمام الكثير من النقاد في أوربا وأمريكا، الذين هتفوا له ورحبوا به  حينها، لينال في الآخر جائزة ماكس أوفولس في فرنسا.

 

 

 

 

في عام 1968 يستعير بيرتولوتشي ثيمة فيلمه القادم الشريك من رواية المزدوج لدوستوييفسكي،

 

إلا أنه ينقل بيئة أحداثها من بيترسبورغ أربعينات القرن التاسع عشر إلى إيطاليا أواسط الستينات.

كان الفيلم بحثاً سيكولوجياً عن حالة الفصام التي تعيشها شخصية البطل، إلا إن المناخ العام الذي يحيط بتلك الشخصية، كان  سياسياً. لذا أصبح الفيلم من هذه الوجهة هو بمثابة شهادة إدانة سياسية صارخة ضد أمريكا في حربها على فيتنام،  وذلك من خلال الهجوم الساحق ضد بورجوازية روما المعاصرة، المرآة التي كانت تعكس وجه برجوازية العالم الرأسمالي بأسره.

 

 

1970 هو عام حاسم في مسيرة ومهنة بيرتولوتشي، فيه أنجز فيلمين للتلفزيون الإيطالي الأول هو

 

مكيدة العنكبوت المأخوذ عن قصة جورج لوي بورغيس الخائن والبطل وهو فيلم روائي قصير تزامن إنتاجه مع الفترة التي كان يخضع فيها  بيرتولوتشي حينها إلى علاج نفسي مكثف وطويل، وقد إنعكست آثار تلك العلاجات السيكولوجية، كما المرآة، على رؤى المخرج في معالجاته للفكرة وبناء الشخصيات في هذا الفيلم وفي أفلامه القادمة الأخرى.

 

إنه فيلم يتحدث عن إبن قدم إلى المدينة التي عاش فيها أبيه المغدور بحثاً عن قاتله الفاشي، والذي يتكشف فيما بعد أنه  قتل من قبل رجال المقاومة الذين كان يعمل معهم، بسبب خيانته لهم وتعاونه مع الفاشيين. الخطان السيكولوجي والسياسي في هذا الفيلم  يسيران أيضاً بشكل متواز من خلال العقدة الأوديبية من جانب، وتعريته الأيدلوجية الفاشية من جانب آخر. إلا إن هذا المزج الهرموني بين الفكر وعلم النفس يجد له تعبيراً أوضح وأدق في فيلمه الثاني الممتـثـل المقتبس عن رواية البرتو مورافيا، وهو أحد أفضل أفلام السبعينات، بسبب طرحه لسؤال أساسي يتعلق بمغزى وجدوى الوضع السوي والمتوازن وسط عالم فاشي مشوه ومقيت .

إنه ميلودراما رومنتيكية ومعالجة لموضوع العلاقات الجنسية في نفس الوقت، لعب فيه جان لوي ترينتيان دور رجل يختفي داخل ثياب قاتل فاشي، فيما دومينيكو ساندا وستيفانا تمارسان السحاق. كان الفيلم، في الواقع، تعرية لجوهر الأيديولوجيا الفاشية، و دراسة تأملية للعلاقة مابين مفهوم الشعب ومفهوم الأمة، عبر موشور المزاج الشعبي والذاكرة الجماعية.

 

 

 

 

إن  ما كان يمّيز أفلام بيرتولوتشي في هذه المرحلة هو نضج إسلوبه الإنطباعي في السينما، ذلك الأسلوب الذي إستطاع أن  يجمع في مضامينه بين الأدب والسياسة والتلميحات الفلسفية، والإستخدام الفطن لنظرية فرويد في التحليل النفسي. أما فيما يتعلق بالجانب التقني والجمالي، فقد إستخدم بيرتولوتشي الكاميرا كعنصر مشارك وفاعل في الحدث، وليس موضوعي محايد، كما هو الحال عند بازوليني مثلاً. كذلك إستخدامه المونتاج الإيقاعي والظلال والضياء، والتعليق الشعري المركبّ التغريبي والمختزل في المشهد، متماهياً بعض الشيء وإستخدامات فيلليني.

 

تميزت أفلامه أيضاً باللقطات البانورامية للطبيعة تلك التي كانت تعكس التكوينات والألوان الإيطالية لرسامي عصر النهضة الأيطالي. أما الميزة الأساسية

المزيد


سكورسيزي

نوفمبر 1st, 2008 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

الجزء الاخير من ترجمة دراسة حول المخرج ” مارتن سكورسيزي” :

 

978057

ترجمة: علي كامل / لندن

ينبغي على الممثل أن يكون حراً، أو هكذا يجب أن نفكر)

 

ليس هناك سّراً ما في قضية عمل المخرج السينمائي مع الممثل، فكل شيء يتوقف على طبيعة ذلك المخرج وطريقة تعامله. فبعض المخرجين يحصلون على إداء رائع من الممثلين، على الرغم من تعاملهم الفظ والقاسي معهم، بل وحتى المقرف والسيء جداً في بعض الأحيان.

أما إنطباعاتي أنا بهذا الشأن فأرى أنه شيء جيد أن تعمل مع ممثلين تحبهم كبشر، أو في الأقل تحب جوانب معينة فيهم. هذه هي الطريقة التي عمل بها غريفيث (8) كما أظن، فقد أحّب ممثليه حقاً.

 

أما  القصص التي سمعناها عن الفريد هيتشكوك وبغضه للممثلين، فأنا شخصياً لا أصدق كل ما قيل عنه، لا بل أظن أنه من المضحك حقاً قول ذلك.

حسناً، ليس مهماً نوع السلوك الذي تبعه هيتشكوك مع ممثليه، إنما المهم كيف إستطاع أن ينتزع منهم إداءً رائعاً.

فريتز لانغ (9) مثال آخر، فقد  كان صارماً وقاسياً جداً مع الممثلين، إلا أنه حصل منهم على إداء رائع وخـّلاق.

أنا شخصياً، ينبغي عليّ أن أحب الممثلين الذين أعمل معهم، وأسعى إلى أن أمنحهم القدر الممكن من الحرية، من أجل أن يبعثوا الحياة في المَشاهد التي يجسّدونها أمام الكاميرا.

الحرية” بالطبع، تعبير رخو ونسبّي في موقع تصوير الفلم، بسبب وجود العديد من القيود التي تحكم آليات العمل. لكن مع ذلك، عليك أن تترك لديهم إنطباعاً أنهم أحرار ضمن المخطط التركيبي للمشهد الذي يجري تصويره.

الممثل بحاجة لأن يحس بمثل هذه الحرية، لأنها ستفتح ينابيع مخيلته ليُحدث شيء ما خارقاً، وأيضاً ليفكر ويقترح أشياءاً تحلق بالعمل عالياً.

أنا لا أحب أن أؤطر الممثل بنوع محدد من الإضاءة أو بنوع معين من العدسات، رغم أنني أفعل ذلك في بعض الأحيان بالطبع، وقد كنت محظوظاً في ذلك، والسبب أنني عملت مع ممثلين كانوا يحسّون بالحرية، لهذا السبب كانوا يصيبون أهدافهم بالشكل الصحيح.

يمكنني القول أن معظم اللقطات في أفلامي هي لقطات متقنة ومحدّدة جداً. إلا أنني أحاول على الدوام تصميم تلك اللقطات وتنظيمها مع مدير التصوير، لكي أترك للممثلين في الآخِـر فسحة من الحركة.

في فيلم “رفاق طيبون” مثلاً، ثمة حرية لا تقبل الجدل، لأن معظم اللقطات كانت متوسطة الحجم، وهذا يعني أن هناك مجال للحركة.

اللقطات متوسطة الحجم هو العالم الذي تحيا فيه تلك الشخصيات، وهو بالتأكيد ليس عالم لقطات الكلوز ـ آب.

هناك أناس يعيشون حول تلك الشخصيات طوال الوقت، فكل ماتفعله سيؤثر حتماً على العالم الذي يعيش حولها، لهذا عليك أن تصّور تلك الشخصيات في لقطات متوسطة الحجم.

الشيء الجوهري في الأمر هو أن لا تقـيّد الممثل. لكن، من جانب آخر، أنا لا أستطيع أن أدع الممثلين يعطونني أشياء لا أريدها. أما بشأن عنصر الأرتجال، فالمجال مفتوح  أمامه على الدوام.

في فيلم “كازينو” مثلاً، كان ثمة الكثير من الأرتجال لدى الممثلين، وقد كان شيء جميل ورائع حقاً.

إذا شعر الممثل بأرتياح حقاً وهو يؤدي تلك الشخصية في ذلك العالم الأفتراضي، فسأدعه يرتجل ضمن حدود المشهد المعطى، وسأصوره بطريقة بسيطة، أمينة وجميلة، أعني أنني سأصورة بلقطات متوسطة الحجم ولقطات كلوز ـ آب.

 

 

 

186865

حين تفعل ذلك، سيضطلع الممثل بخلق وإبتكار ذلك العالم بشكل جميل ومذهل.

إنني أضعهم في إطار الصورة Frame، أما الموقع الذي يحيط بهم فهو جزء من حياتهم، إلا إنهم هم أنفسهم من سيبعث تلك الحياة في ذلك الموقع. حين يحدث ذلك، و حين يسير كل شيء في الأتجاه الذي تريد، فسيكون ذلك شيئاً مجزياً ومبهجاً بشكل لايصدق.

كنت غالباً ما أجد نفسي في ذلك الفيلم جالساً خلف الكاميرا ليس كمخرج، بل كمتفرج . نعم، كنت أحس كما لو أنني أشاهد فيلماً يقوم بأخراجه شخص آخر. حين تحس بمثل هذا الأحساس، فهذا يعني أنك في وضع ممتاز. 

 

 

 

 

                                   (لمن تصنع أفلامك؟)

 

 

هناك البعض من المخرجين يعملون أفلاماً موجهّة بشكل محدد، بالمعنى الضيق للكلمة، إلى المتفرج. أما البعض الآخر من المخرجين وأخص بالذكر ستيفن سبيلبيرغ  و هيتشكوك مثلاً، فهما يصنعان أفلاماً للمتفرج ولأنفسهم في نفس الوقت.

هيتشكوك مثلاً كان مميزاً في هذا الشأن، إذ إنه كان يعرف جيداً كيف يلعب ويناور مع متفرجيه، لهذا يمكن القول أن هيتشكوك قد عمل فقط أفلام تشويق وإثارة، وهذا شيء صحيح، إلا إن خلف أفلامه تلك ثمة سيكولوجيا، وهي سيكلوجيا من النوع  الذاتي جداً، تلك التي جعلت منه مخرجاً عظيماً. تلك الأفلام الذاتية كانت  ُتموّه حقاً على أنها أفلام إثارة وتشويق.

أما في ما يتعلق بي، فأنا أعمل أفلاماً لنفسي. حسناً، أنا أعرف جيداً أن ثمة جمهوراً لكل فيلم بالطبع، وسيرى ذلك الجمهور الفيلم الذي أعمله حتماً. أما حجمه وعدده ، فهذا ما لا أعرفه حقاً.

البعض سيرى هذا الفيلم، والبعض الآخر سيعجب به، بل وبعض من المتفرجين محتمل أنهم سيرونه مرات ومرات، لا أعني الجميع بالتأكيد. لذا أرى، في هذه الحال، أن أفضل طريقة للعمل بالنسبة لي، هو أن أعمل الفيلم كما لو أنني متفرج.

لكن، وبما أنني أعمل في بعض الأحيان أفلاماً لصالح الأستديوهات، فإن أفلامي تلك تخضع لأختبار مزاج المتفرج لغرض معرفة إستجاباته. وأنا شخصياً أجد ذلك مهّماً وشيقاً، على الأقل  في الجانب الذي يتعلق بمعرفتنا لحيثيات ما نقوم به نحن.

ستعرف في ما إذا وصلت بعض الأشياء المحددة أو أنها لم تصل إلى المتفرج، أو، هل أن بعض الأشياء المحددة  تلك كانت مشوشة وهي بحاجة إلى توضيح. وأيضاً، هل هناك مشاكل بشأن طول مدة الفيلم أو، هل هناك حشو و إسهاب، وأشياء من هذا النوع .

وبالقدر الذي يقول لنا فيه المتفرج: “أنا لا أحب الناس الذين تظهرونهم لي في الفيلم، لذا فأنني لن أذهب لمشاهدته” سنقول له نحن بالمقابل: “حسناً يا عزيزي، ولكن هذه هي الحياة!” .

أنت تعرف أن أي فيلم يخرج إلى النور، تسبقه دعاية وأعلان بالطبع، وأن الناس الذين سيذهبون لرؤيته يعرفوا ماكان يتوقعونه. أما في صالة إختبار مزاج المتفرج، فسيأتي، بالطبع، الكثير من الناس، منهم اللامبالي ومنهم غير الجاد، نعم. لذا ينبغي أن تعرف أي الملاحظات، تلك التي عليك أن تصغي لها، وأي منها عليك إهمالها. هذا الأمر، بالطبع، يسبب لنا مشاكل مع الأستديو، لأن المشرفين على تلك الأستديوهات يريدون أن يستجيب كل شيء لذائقة الجمهور، وهذه معضلة.

 

55891

رداء الخوف هو  الفيلم الوحيد الذي كان موجهاً بشكل محدد للجمهور. إلا إنه كان فيلم إثارة، لأنك حين تعمل فيلم من هذا النوع ، فإن ذلك يتطلب منك إتباع بعض القواعد المّحددة، تلك التي تراعي ردود فعل المتفرجين التي ستنعكس بطرق معينة، كالقلق والخوف والأثارة والهياج والضحك…إلخ..

مع ذلك، لا أخفيك سراً إذا قلت لك، إن كل ماقدمته للمتفرج أنذاك، لم يكن سوى الهيكل العظمي للفيلم، أما الباقي فقد كان لي.

 

 

                                          (الخطأ المهلك)

هناك العديد من الأخطاء المتنوعة أظن أن على المخرج أن يتحاشاها مهما كلف الأمر. أول تلك الأخطاء التي تخطر في الذهن هي الأفراط والأسراف في توضيح وتفسير مغزى وهدف الفيلم، بغض النظر عن كونه فيلماً عاطفياً أو فكرياً.

حسناً، إذا كان عاطفياً، فمن الممكن أن تزوغ  منه في بعض الأحيان، لأن بإمكان العواطف أو الأحاسيس أن تصبحا حادتين أو كثيفتين بما فيه الكفاية لتصيرا شيئاً آخر، لكن المعضلة الحقيقية تكمن في الخطاب، سواء كان ذلك الخطاب سياسياً أو مجرد فكرة مضمرة في الفيلم،. ففي بعض الأحيان، مثلاً، أرى أفلاماً تظهر فيها الشخصية في النهاية، بطريقة أو أخرى، لتوضح وتفسر  لنا عبر خطبة أو ديالوغ، عنوان الفيلم بل وحتى مغزاه في بعض الأحيان، وهذه كارثة.

أنا أحس أن هذا الشيء هو أسوأ ما يمكن عمله في ميداننا، فهو خطأ مهلك، ومن جهتي، فقد حاولت قدر المستطاع أن أتفادى معضلة كهذه في كل أفلامي بدون شك.  

 

                                                      ***

 

 

 

 

 

هوامش:

 

(1)         هذا اللقاء مجتزأ من كتاب:

                          MOVIEMAKERS’ MASTER CLASS:

  PRIVATE LESSONS FROM THE WORLD’S FOREMOST DIRECTORS                               

           

الكتاب صادر باللغة الأنكليزية عن دار النشر FABER AND FABER 2002 ، وهو عبارة عن مجموعة من اللقاءات الصحفية كان أجراها الناقد والسيناريست والمخرج السينمائي الفرنسي لورينت تيراد في أوقات وأماكن مختلفة مع عشرين مخرجاً سينمائياً عالمياً ينتمون إلى أجيال ومدارس مختلفة، وغطى الكتاب فترة نصف قرن تقريباً، مبتدئاً منذ أواسط ستينات القرن الماضي وحتى وقتنا الحالي.

 

 

* ولد لورينت تيرارد في باريس عام 1967، وكان قد درس الأخراج السينمائي في جامعة نيويورك أواسط الثمانينات، وهو نفس المعهد الذي درس فيه وتخرج منه سكورسيزي أواسط الستينات. بعد عام من عمله كقارىء وفاحص نصوص سينمائية في ستديو الأخوة وارنر في لوس أنجلوس، أصبح لورينت صحفياً يعمل لصالح المجلة السينمائية الفرنسية Studio . هناك وعلى مدى أكثر من سبع سنوات، كان يشاهد مئات الأفلام سنوياً ويكتب عنها، وقد توفرت له أنذاك فرصة ذهبية لإجراء لقاءات مع جل المخرجين العالميين الكبار، أمثال مارتن سكورسيزي وجان لوك غودار وجون وو وستيفن سبيلبيرغ وودي ألين وآخرين، وكان قد أجرى معهم لقاءات ونقاشات مطوّلة حول معظم الجوانب العملية للأخراج السينمائي في سلسلة بعنوان “دروس خاصة في السينما”، هذا الذي بين أيدينا.

وفي السنوات الأربعة اللاحقة إستطاع لورينت أن يوظف تلك الدروس في حياته العملية، أولاً، كسيناريست في الأفلام السينمائية والتلفزيونية الفرنسية، ومن بعد، كمخرج لفيلمين قصيرين، الأول بعنوان “مصادر جديرة بالثقة” والثاني “غداً هو يوم آخر”. الأول حاز على جائزة بانافيشن في مهرجان أفيكَـنون ـ نيويورك فيلم عام 1999، والثاني أختير لمهرجان تيلورايت فيلم عام

المزيد


الرواية والسينما

أكتوبر 30th, 2008 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

شفرة دافنشي

فضاء الرواية وأداء الفيلم

 أحمد ثامر جهاد / خاص بـ”سينماتك”

 

122532

من دون أن يعني ذلك انه السبيل الوحيد للنجاح ، يحدث أحيانا وفي ظروف دنيوية دقيقة أن لاشئ يخدم العمل الثقافي أو الفني أكثر من محاولة البعض حظره والتضييق عليه . مثلما أن نيل شخصية ما شهرة واسعة وجاذبية آسرة قد لا تحققه وسيلة بارعة بقدر الإصرار على العزلة والتزام الصمت. إلا ان كلا الحالتين لا تصحان تماما لتفسير حدث بحجم شيوع رواية ” شفرة دافنشي ” ولا لتوصيف عوالمها الناجزة .

من زاوية الشهرة الأدبية نجح الروائي الأمريكي دان براون في جعل اسمه عابرا للقارات بصدور روايته ذائعة الذكر ( شفرة دافنشي - 2003 ) التي وصلت مبيعاتها إلى أكثر من 40 مليون نسخة وترجمت إلى ما يزيد عن عشر لغات . ولم يكن حدوث هذا الأمر مصادفة ولا ضربة حظ موفقة ، حينما ينظر بجدية إلى الدوي المتسارع للرواية بوصفه انجذابا متوقعا لدفع المحرم إلى دائرة الضوء من جديد . وبالنسبة للعمل الذي نحن بصدده تبدو المعاني الكلية للرواية مظهرا من مظاهر إعادة اكتشاف ( المقدس في التاريخ ) بكل ما يتأتى لمعارف العالم ما بعد الحداثي وفنونه من جرأة السؤال حول مصير الإنسان عاريا من أي رباط ميتافيزيقي ، وهو يستجيب هذه المرة بمواجهة حساسة لرغبة التمرد الأصيل في معاينة وجوده الخاص عبر تجريد الحياة الإنسانية من دلالاتها الدينية .

سنجد أنفسنا كقراء في أفق ثقافي مختلف، طالما لم تفلح حملات التشهير بالروائي الأمريكي ولا سيل التهم المؤذية التي وصفت بها روايته، كخطاب للشر وغواية شيطانية خبيثة، في صرف الانتباه عن امتياز ما ندعوه بضربة الرواية الحاذقة في تحديات عصر الارتياب. إنها الرواية الحدث التي تحولت بعد انقضاء فترة وجيزة تقارب الثلاث سنوات إلى فيلم سينمائي سيزيد العمل شهرة والروائي إرباحا مضاعفة وان جاء مخيبا لآمال السينمائيين.

أمر كهذا لم يكن ليحدث في السنوات الماضية بهذه السرعة ، لكنه بفعل وسائل العصف المعلوماتي يبدو ممكن الحدوث اليوم . ويمكن لنا ان نرى ما هو ابعد من ذلك حينما نتأمل باهتمام الكيفية التي بها تحولت رواية شفرة دافنشي في حمى سباق وسائل الإعلام المختلفة ومواقع الانترنيت الساعية لعرضها والتعريف بها إلى ما يشبه الماركة المسجلة التي تضع في دائرة الحرج اللاذع أي مثقف معاصر في العالم من أن لا يكون له رأيه فيها .

رواية وفيلم وثقافة شعبية :

” شفرة دافنشي ” .. الرواية والفيلم على السواء سيجذبان مهتمين ومتابعين متحدرين من ثقافات وديانات واهتمامات متباينة تؤشر بمجملها حالة من الهوس البشري القديم بكشف وثائق الأسرار الكبرى للتاريخ ، ذلك بمجرد الاقتراب من تفكيك بناء الموروث المقدس وإعادة تركيبه بشروط الإبداع الإنساني الحر. وفي قلب ذلك النزوع السردي تنتظم أطياف من الوعي الجمعي ممثلة بحكايا شعبية غريبة وأخرى شاذة تتحدى في معارف وأزمان مختلفة رسوخ رواية الواقع التاريخي الرسمي  ومعناها النهائي .

لقد كتب دان بروان شفرة دافنشي وفي نيته جعلها رواية شعبية من الطراز الأول تضمن له النجاح والشهرة . وطموح من هذا النوع ليس غريبا على براون المولع بقصص الإثارة والخيال، وكانت الموسوعة الحرة (ويكبيديا ) قد وصفته بالقول :” دان براون مؤلف أمريكي لقصص الخيال والإثارة الممزوجة بطابع علمي وفلسفي حديث بأسلوب مشوق مكنه من تحقيق أفضل المبيعات ، رواياته حققت رواجا كبيرا بين الأجيال الشابة في أمريكا وأوروبا “. ليس خافيا ان روايات الخيال العلمي والإثارة هي نمط ثقافي شعبي شائع ومتطلب جدا من قبل الجمهور العريض. ولا يعني ذلك ان من اليسير في معترك صناعة الثقافة الغربية ان تكون بين ليلة وضحاها كاتبا شعبيا تحظى بتقدير أوساط مختلفة من القراء ، ما لم تكن تمتلك قصة جيدة ترغم الجماهير المليونية على الاستماع إليها مرارا والتجادل بشأنها. وبخصوص شفرة دافنشي تذكر بعض الإحصائيات ان الرواية تجاوزت قائمة الكتب الأكثر مبيعا إلى ما يصطلح عليه بـ( الكتاب القنبلة ) وهو الامتياز الذي لا يحظى به أي كاتب ببساطة.

 

3402

قد يرى احدهم من منظوره الخاص ان الرواية الشعبية هي عمل وضيع أو بضاعة رخيصة لكاتب فاشل، لكنه لا ينفي استمتاعه المألوف بصنوف شعبية أخرى: كالأغاني أو الروايات البوليسية أو أفلام الرعب أو قصص المغامرات المصورة التي تسرد حيوات مجنونة لمجرمين خطيرين أو إرهابيين يتوعدون العالم بالفناء . كما ليس بيننا من يستطيع التغاضي عن أعمال كثيرة أدهشت ملايين القراء والمتفرجين كـ( ألف ليلة وليلة ، شارلوك هولمز ، دراكولا ، رحلات جليفر ، هاري بوتر ..الخ ) ولا حتى إنكار شهرة كتاب لامعين مثل : أجاثا كريستي ، ستيفن كنغ ، ماريو بوزو وآخرين . ومع رواية “شفرة دافنشي ” يمكننا القول ان ركوب مغامرة من هذا النوع بالنسبة لروائي لم يحظ سابقا بنجاح لافت، لن تصبح ممكنة ما لم يضع هذا الروائي جانبا كل مخاوفه من ردود الفعل المحتملة شعبية كانت أم مؤسساتية تجاه الكثير مما تثيره روايته من جدل وتأويلات وأساطير وعلامات استفهام .

بعد ان عمل في التدريس وكتابة الأغاني ، نشر براون أولى رواياته ” الحصن الرقمي “عام 1998 وأتبعها لاحقا بروايتين لم تحصدا اهتماما ملحوظا مقارنة بالنجاح الساطع الذي واتاه مع روايته        ” شفرة دافنشي ” التي اعتمدت المزج بين التحليل الفني والبعد الفلسفي في إطار سرد تشويقي وبناء محكم . وبهذا البناء الذي يحبس الأنفاس ويستعير من السينما تقنياتها استطاع “براون ” الحط من هيبة البناء الروائي الكلاسيكي وفخامته الصارمة ، مضحيا بالقيم النخبوية المعقدة من اجل اجتراح كتابة واضحة تحافظ بذكاء على غموضها الداخلي وعلى إمتاعها المتحقق بصياغة عصرية مشوقة ولغة يسيرة وحدث جذاب وبناء مؤثر . فهناك صور في الكلمات تبين ان ” الولع بالصورة، والرغبة بالتصوير ورسم المشاهد، رغبة قارة في أعماق الكتاب، يحاولون من خلالها تجسيد أعمالهم وإبراز تصوراتهم وتحقيق تأثيراتهم المرجوة في المتلقين والقراء”1 . ومع هذه المقدرة على توظيف مؤثرات الصورة السينمائية أدبيا يكون اللعب على المرجعيات المتشعبة للمبنى الروائي قدر الرواية المكتوبة في عصر هيمنة الفن السينمائي ، لاسيما ” ان الإنسان قد أصبح صورة والعالم كله تحول إلى فضاء بصري/ صوري “2 وما عاد ثمة مجال لدخول المنافسة هذه بالتعويل على الأسلحة القديمة   فقط . بالمقابل فإننا داخل حقل الكتابة والفن لسنا بحاجة إلى غايات خفية يصعب إدراكها لإثارة وتوجيه الانفعال الإنساني المطلوب في قضية ما .

تعرض شفرة دافنشي إحداثا درامية شائكة تتناول فصلا حساسا من تاريخ المسيحية ، عبر الادعاء بان السيد المسيح تزوج من مريم المجدلية التي أنجبت له بنتا تدعى سارة . وعليه فان دم المسيح ما زال متوارثا في نسله إلى يومنا هذا. وتحاول المجموعة الأسقفية الكاثوليكية المتشددة “اوبوس داي ” جاهدة منع انتشار هذا السر مخافة من زعزعة سلطتها الدينية على عقول أكثرية مسيحية حول العالم . والخطر الأكبر بالنسبة لجماعة الـ”اوبوس دي ” يتمثل بوجود جمعية دينية سرية تأسست عام 1099 تدعى ( زيون ) تسعى إلى كشف هذه الحقيقة وجلاء أسرارها من اجل إعادة روح المسيحية الحقة التي خانها أتباعها بالخداع والإكراه . وتبين الأحداث اللاحقة ان الرسام والمخترع الايطالي ليوناردو دافنشي والعالم اسحق نيوتن والروائي فكتور هوجو كانوا من بين ابرز أعضاء الجمعية السرية المحظورة ” زيون ” التي حملت معها هذه الأسرار الدينية الخطيرة منذ الحملات الصليبية ، وبدماء بعض أعضائها قررت حماية اللغز المقدس.

ان شفرة دافنشي التي وضع رموزها العصية ليوناردو دافنشي في بعض أشهر أعماله الفنية          كـ” الموناليزا وا

المزيد


الجزء الثالث من مساهمة المخرج والناقد العراقي علي كامل

أكتوبر 29th, 2008 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

القسم الثاني من الدراسة النقدية حول سكورسيزي

 

511

ينبغي أن يكون الممثل حُرّاً، أو هكذا ينبغي أن نفكرّ”.                                    

                                  مارتن سكورسيزي

 

 

                           القسم الثاني  1/2

ترجمة : علي كامل /لندن

أجرى هذا اللقاء الناقد والسيناريست والمخرج السينمائي الفرنسي لورينت تيراد في  نيويورك صيف عام 1997، حين كان يومها مراسلاً صحفياً لمجلة الفيلم الفرنسي Studio، وقد كان اللقاء بواعز ٍ من الممثلة السينمائية جودي فوسترJudie Foster  التي أختيرت وقتها لمنصب المحّرر الفخري لتلك المجلة وأرادت أن يكون مخرج فيلمها المفضّل “سائق التاكسي” واحداً من تلك الأسماء التي يتضمنها كتابه:(1)

في مقدمة هذا اللقاء يصف لورينت تيراد إنطباعاته لدى رؤيته المخرج السينمائي الأمريكي مارتن سكورسيزي لأول مرة بقوله:

 

 

 

((إحدى أكثرالأشياء المدهشة والملفتة التي تواجهك حين تقابل مارتن سكورسيزي هي طريقته السريعة في الحديث، وإن ما تتوقعه منه هو أن يكون شخصاً رائعاً، وهو حقاً هكذا، إلا إن الأيقاع السريع الذي ينقل به المعلومات إليك يُشعرك بالهلع وبنوع من التهديد من شأنه أن يوقفك عن طرح الأسئلة.

 

دخلتُ إلى مكتب إدارة إنتاج سكورسيزي الذي يقع في Park Avenue  وكانت يداي معروقتان، لأنني من الذين يعتبرون سكورسيزي واحداً من أكثر مخرجي الأفلام إثارة للأنتباه للعقدين الماضيين، فهو منذ فيلمه “الشوارع القذرة” كان قد أدهش المشاهدين وألهم جيلاً كاملاً من المخرجين السينمائيين، أولئك الذين حاولوا كثيرا ً إستخدام الكاميرا على طريقته، إلا أنهم فشلوا في محاكاة قدرته وإتقانه في إستخدامها.

البعض من المخرجين رواة حكايات رائعين، والبعض الآخر تقنيّون مدهشون، أما مارتن سكورسيزي فهو ضليع في الأثنين معاً، ومعرفته الموسوعية بتأريخ السينما لم تؤثر سلباً على أي من هاتين القدرتين مطلقاً.

الواقع إن إنفاق ساعات عديدة، ساعة بساعة، مع شخص على شاكلة سكورسيزي بوجه خاص، كانت بمثابة أوقات رائعة، ممتعة ومفيدة، ولم أخرج من ذلك اللقاء خائب الأمل.

كان سكورسيزي يتململ على كرسيه بعصبية في بداية اللقاء، ربما لأنه كان منشغلاً بفيلمه

“كاندن” أنذاك، حيث كان حينها في مرحلة المونتاج.

لقد أستطعت أن أرى من خلال بريق عينيه أثناء ماكنت أتحدث إليه أن عقله وروحه ومخيلته كانوا منهمكين في ربط اللقطات بعضها مع البعض الآخر. لكنه، حالما بدأت أطرح عليه أسئلة تفصيلية، تـنبّه إليّ وبدأ يركز إنتباهه تماماً، بل إن أجوبته صارت تنهال عليّ بعد قليل بشكل سريع جداً، ومن حسن الحظ أنني كنت قد جلبت معي جهاز تسجيل لأستطيع اللحاق به!)).

 

6

الدرس السينمائي الأول للمخرجين الشباب

كانت لديّ بعض الخبرة في مجال التدريس في جامعة كولومبيا في الفترة التي كنت أعمل فيها على فيلمين، هما “لون المال” عام  1986  وفيلم “الأغواء الأخير للمسيح” عام 1988 .

لم أكن أعرض للطلبة آنذاك أفلاماً أو ألقي عليهم محاضرات في فن السينما، كل الذي فعلته هو أنني جئت فقط لمساعدة المتخرجين منهم، لأقدّم لهم المشورة والملاحظات على الأفلام التي أخرجوها .

 

الواقع إن أكثر الأشياء إلتباساً وصعوبة وجدتها في تلك الأفلام يتعلق بـهدفها وفحواها، وماذا أراد المخرج أن يوصله إلى المتفرج، وهذه المشكلة يمكن أن تظهر نفسها للعيان بطرق مختلفة عديدة، إلا إن المعضلة الأساسية تكمن في عملية التعامل مع الكاميرا، أعني كيفية توجيهها، لقطة إثر لقطة، وكيف أن كل لقطة  ُتبنى لتخلق مغزى محدد ولتكشف عن شيء ما، أراد مخرج الفيلم من المتفرج أن يفهمه.  

يمكن لذلك المغزى، بالطبع، أن يكون فيزيائياً بشكل محض، مثلاً: رجل يدخل إلى غرفة ويجلس على كرسي.

أو من الممكن أن يكون ذلك المغزى فلسفياً أو سيكولوجياً أو متعلقاً بموضوع أو فكرة، رغم أنني أفترض أن الموضوع أو الفكرة يتضمنان أصلاً مغزىً فلسفياً وسيكولوجياً. إلا إنه ينبغي عليك البدء في الأساسيات، وهي:

إلى أين توجه كاميرتك لتعّبر عما دونته على الورق في السيناريو؟ والمسألة هنا ليست فقط توجيه كاميرتك لتصوير لقطة واحدة فقط ، بل لتصوير اللقطة التي تليها والأخرى التي بعدها وهكذا.

ومن بعد ذلك، كيف يمكنك توليف تلك اللقطات بعضها مع البعض الآخر لتخلق جميعها ما تريد قوله للمتفرج.

يمكنني القول دون تردد إن من أكبر المشاكل التي يواجهها المخرج الشاب هي حين لن يكون لديه شيء ليقوله!. وهكذا ترى بشكل ثابت وعلى الدوام، أن معظم أفلام هؤلاء الشباب تكون إما غير واضحة أو أحياناً مبهمة جداً، أو إنها أفلاماً تقليدية عادية جداً، أعّدت إلى حّد ما للسوق التجاري لاغير.

لذا أعتقد أن الشيء الأول الذي تحتاجه لتسأل به نفسك إن أردت أن تعمل فيلماً هو: هل لديّ شيء ما ذو أهمية، أريد قوله!؟ 

وهذا الشيء ليس بالضرورة أن يكون شيئاً محدداً يمكن التعبير عنه بكلمات، لأنك في بعض الأحيان تريد القيام بإيصال العواطف والأحاسيس فقط، وهذا كافٍ. وصدقني أن هذا الأمر ليس سهلاً، بل صعب وصعب للغاية..

 

                                               (تكلـّم عّما تعرفه) 

 

إنني أنتمي إلى تقاليد كانت سائدة في بداية الستينات، تلك التي كانت تتناغم أكثر مع الرؤى الأخراجية الذاتية، ومع ثيمات وموضوعات بحث ذاتية تشعرك أنك أكثر ثقة في نفسك بالتعامل معها للتعبيرعن ذاتك، وعن العالم الذي تنتمي إليه.

 

إن هذا النوع من السينما كان قد أزدهر في السبعينات، لكنه بدأ يتناقص منذ الثمانينات تدريجياً وبشكل ثابت مقارنة بالأتجاه الرئيسي السائد للسينما أنذاك.

لا بل أجد في وقتنا الحالي أن هناك بعض المخرجين المستقلين إنتاجياً، قد بدأوا يظهرون ميلاً نحو الميلودراما وأفلام الـ noir (2) ، وهذا مؤشر خطير يوضح تماماً أنهم أصبحوا يتوجهون بطريقة شرهة نحو أكثر الموضوعات السينمائية تجارية.

حين أرى اليوم الأفلام ذات الميزانية القليلة غالباً ما أشعر أن مخرجي هذه الأفلام يحاولون إختبار صلاحيتهم للدخول أو القبول في الأستديوهات.

ربما تسأل: لماذا تعمل أفلاماً ينبغي أن تكون ذاتية بأي طريقة كانت؟

حسناً، المسألة كلها تنحصر بوجهة النظر الشخصية، وأنا أميل إلى الشعور إلى أنه كلما كانت الرؤية فردية أكثر، وكلما كان الفيلم ذاتياً أكثر، كلما إستحق أن يكون عملاً فنياً أفضل.

كمتفرج، أرى أنه كلما كانت الأفلام أكثر ذاتية، بإمكانها أن تحيا مدة أطول من غيرها، وبأمكانك مشاهدتها مرات ومرات، لكن يمكن أن تصاب بالضجر حين تذهب لمشاهدة فيلم تجاري للمرة الثانية.

إذاً، ما الذي يجعل من الفيلم ذاتياً؟

هل ينبغي عليك أن تكتب سيناريو بنفسك لتجعل من الفيلم فيلمك، كما كان يطالب منظروا الأفلام

الشخصية؟ أنا شخصياً لا أعتقد أن ذلك ضرورياً.

هنا ينبغي التمييز بين نوعين من المخرجين،الأول (Directors وهؤلاء يتميزون بمهارتهم عن غيرهم بترجمة السيناريو من كلمات إلى صور. أما الـنوع الثاني ( Filmmakers فبمقدورهم أخذ فكرة أي شخص كان وتضمينه رؤيتهم الذاتية. هؤلاء سيقومون بعملية التصوير وتوجيه الممثلين بطريقة ستغير أو تحّول ذلك الفيلم ليصبح أخيراً جزءاً من هيكل عمل أفلامهم الأخرى، بنفس الثيمات وأساليب معالجة الفكرة وتصوير الشخصيات، بمعنى أنهم يستطيعون أن يظهروا رؤاهم الشخصية من خلال تلك الفكرة المعطاة لهم. وهذا هو السبب الجوهري وراء التفاوت التام والواضح مثلاً بين فيلم “His Girl Friday

للمخرج هاورد هوكس، وفيلم “Dream Wife” لـ سدني شيلدون.( (3

 

7405

فعلى الرغم من أن كلاهما يعتبر فيلم ـ ستديو، وكلاهما كوميدي، والدور الرئيسي في كلا الفيلمين يلعبه نفس الممثل الذي هو  كاري كَرانت، إلا إن الأقبال عليهما مختلف جداً، ففي الوقت الذي يمكن للمتفرج مشاهدة الأول مرات ومرات عديدة، لا يمكنه إحتمال مشاهدة الثاني قط، على الرغم من أنه فيلم مقبول، لكن مع ذلك، ليس بمقدور المتفرج الصمود لثانية واحدة للمشاهَدة.

وهذا هو نفس السبب الذي  يجعل الأختلاف أيضاً بين أفلام جون جوو التي هي أفلام ذاتية على الدوام، وبين أفلام أخرى، ولنقل سلسلة أفلام “الرجل الوطواط” مثلاً، تلك التي تتضمن حرفية جيدة، إلا إن بمقدور أي ٍ كان أن يقوم بإخراجها.

 

 

                              (ينبغي أن تعرف عن أي شيء تتحدث)

 

 

أعتقد أن مهمة مخرج الفيلم هي أن يحكي قصة يريد أن يرويها لنا، وهذا يعني أن عليه معرفة الموضوع الذي يتحدث عنه.

ينبغي عليه، في الأقل، أن يعرف نوعية المشاعر والأحاسيس التي يسعى لتوصيلها إلى المتفرج. هذا لايعني أنه لايستطيع أن يستكشف ويسبر غور الأشياء، بل بأمكانه أن يقوم بذلك، لكن، فقط ضمن السياق الذي تظهر فيه القصة.

دعنا نحيل هذا الموضوع إلى أحد أفلامي وهو “سن البراءة“. ففي هذا الفيلم تناولتُ المشاعر التي كنت أعرفها وأدركها عن قرب، إلا أنني وضعتها في محيط آخر، أعني فضاء الفكرة، العالم الذي كنت أسعى إلى سبر أغواره، وهكذا قمت بتحليل تلك المشاعر بطريقة أنثروبولوجية كي أرى كيف يمكن لأكسسوارات ذلك المجتمع على سبيل المثال أن تؤثر على تلك المشاعر (الأكسسوارات التي استخدمت في الفيلم كانت عبارة عن زهور مُعـّدة وآنية خزفية صينية، إلى جانب لغة الجسد الشكلية، تلك التي تعكس سلوك حاملها)، أعني كيفية تأثير كل ذلك على تلك المشاعر، التي هي حسب ظني مشاعر كونية في سياق التجربة الأنسانية، وأعني بها الشوق والأماني أو جميع الرغبات غير المتحققة.

فهكذا تناولت كل ذلك ووضعته في قدر ضغط ذلك المجتمع المعين. لكنك لو عملت فيلماً بنفس الشخصيات ونفس القصة، وجعلتَ الحدث يجري في قرية ولنقل في صقلية أو فرنسا مثلاً، فإنك تكون قد عملت فيلماً آخراً مختلفاً جداً.

لذا بأمكانك أن تستكشف حقاً وبأمكانك أيضاً أن تجّرب, لكن لا تنسى أبداً أن كلفة أنتاج الأفلام في أي مكان تتراوح بين مليون ومائة مليون دولار. يمكنك أن تجرب بمليون دولار ولكن لا أعتقد أن بأمكانك ذلك بأربعين مليون، لأنهم لن يمّولوك ثانية.

ثمة مخرجون  يزعمون أنهم لايعرفون مطلقاً إلى أين هم ذاهبون حين يعملون فيلماً، وأنهم يعملونها بحسب الأتجاه الذي تذهب هي إليه.

إذا وافقنا على هذا الرأي فمؤكد أن فيلليني هو أفضل نموذج على ذلك، لكنني لاأعتقد ذلك تماماً، لأن فيلليني لديه دائماً فكرة ما، هي بمثابة بوصلة تشير إلى الطريق الذي هو متجه إليه، مهما تكن تلك الفكرة مجردة.

 

ثمة مخرجون أيضاً لديهم سيناريو، إلا أنهم لايعرفون بالضبط  زوايا التصوير أو اللقطات التفصيلية للمشاهد المحددة، لحين اللحظة التي يدخلون فيها إلى البروفات على ذلك المشهد أو أحياناً في نفس يوم التصوير.

أعرف أناساً يستطيعون العمل بهذه الطريقة، أما أنا نفسي فلا أستطيع مطلقاً العمل بها.

إنني بحاجة إلى أن تكون بحوزتي جميع اللقطات التي كنت قررتها سلفاً، جاهزة وقت التصوير، حتى وإن كانت جميعها نظرية.

في الأقل أنا بحاجة لأن أعرف مساء كل يوم، ماهي أول لقطة سنقوم بتصويرها في الغد.

وحتى لو أنني قررت في بعض الحالات أن أضيف مشاهد لم تكن في الخطة من قبل ولنقل أنها، ليست مشاهد جوهرية بالنسبة لثيمة الفيلم، إلا أنه مع ذلك سيكون شيئاً مضحكاً أن أذهب إلى موقع التصوير خالي الوفاض، أو ليس لديّ في الأقل تصّور أولي عنها لرؤية ماذا أستطيع أن أفعل هناك.

الواقع ليس هذا هو ما أردت الدفاع عنه، إنما أردت أن أؤكد على مسألة واحدة مهمة

المزيد


القسم الثاني من الجزء الاول لموضوع سكورسيزي

أكتوبر 26th, 2008 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

مارتن سكورسيزي

 

البعض يحلم في المستقبل، فيما هو منهمك بتشييده!

الجزء الاول          2/2

علي كامل / لندن

 

122503

أهذه هي هوليوود؟

على الرغم من نيله أخيراً جائزة الأوسكار إلا إن حكاية سكورسيزي مع هذه الجائزة العجيبة حكاية ذو شجون وظنون، فقد كانت في كل مرة تضل طريقها إليه. فبالرغم من ترشيح أفلامه التالية للفوز بالجائزة إلا أنها أصبحت من نصيب آخرين:

 

ـ الثور الهائج 1980 (ذهبت الجائزة لفيلم “أناس عاديون” لروبيرت ريدفورد)

 

ـ الأغواء الأخير للمسيح 1988 (ذهبت لفيلم “رجل المطر” لباري ليفنسون)

 

ـ رفاق طيبون 1990 (ذهبت لفيلم “الرقص مع الذئاب” لكيفن كوسنر)

 

ـ عصابات نيويورك 2002 (ذهبت لرومان بولونسكي وفيلمه “البيانو” عن محرقة اليهود)

 

ـ الطيار 2004 (ذهبت إلى فيلم كلينت إيسوود “طفل المليونير دولار”)..

 

مع ذلك، ثمة شيء ينبغي أن يحسب لسكورسيزي وهو أنه إستطاع أن يحقق ذات الجائزة لأبطاله وبعض العاملين معه، فالممثلة إيلين بريستين حصلت على جائزة أوسكار كأفضل ممثلة في فيلم “لم تعد آليس تعيش هنا بعد الآن” عام 1975. كذلك روبرت دي نيرو، فقد حصل على تلك الجائزة كأفضل ممثل في فيلم “الثور الهائج”، والذي نالتها فيه ثيلما سكونميكر أيضاً كأفضل مونتاج للفيلم.

أما ليوناردو دي كابريو فقد حصل عليها كأفضل ممثل في فيلم ” الطيار “، و ثيلما سكونميكر، مرة أخرى، كأفضل مونتاج له.

 

 

إن الذي يحرز عشق وجلال هذا الجمهور السينمائي العالمي الممتد على مساحة هذا الكوكب لايمكنه أن يكتئب ويحزن لأن الأوسكار ضلت الطريق إليه، فهذه هي هوليوود التي يعرفها سكورسيزي أكثر من الجميع، بإغوائاتها وسحرها ومراوغاتها وكواليسها المضيئة المعتمة، بمقدورها أن تضل جائزتها الطريق لمن لا تريد.

 

شابلن، هاورد هوكس، أورسن ويلز، هيتشكوك و سدني لوميت، ومن قبلهم غريفيث صاحب الملحمة العظيمة “مولد أمة” هؤلاء الذين خلقوا أسطورة هوليوود، غادرونا من دون أن تعثر الأوسكار على الطريق الذي يهديها إليهم!. وهذا هو المضحك المبكي، على حد قول سكونميكر.

 

 

122503

هل هو مسك الختام؟

 

بعد فيلمه الأخير (الراحلون The Departed) يستعد سكورسيزي لإخراج فيلم يجسد من خلاله السيرة الذاتية للرئيس الأمريكي تيودور روزفلت، وهو مقتبس عن كتاب “صعود تيودور روزفلت” للكاتب أدموند موريس، الكتاب الحائز على جائزة بوليتزر. وقد إشترت شركة بارامونت بيكتشر حقوق الكتاب لأنتاجه سينمائياً في العام القادم، حيث سيقوم نيكولاس ميير بكتابة السيناريو. أما التصريح الذي أدلى به سكورسيزي مؤخراً فهو إستعداده للتحضير لتصوير فيلم بعنوان “صمت” يحكي قصة مهاجرين برتغال رحلوا إلى اليابان في القرن السابع عشر في مهمة تبشيرية لنشر المسيحية هناك، وهي فكرة كانت قد راودته منذ مايقرب العقد من الزمن، إلا إن فيلم “عصابات نيويورك” هي التي أرجأته.

تصريح آخر لسكورسيزي والذي كما يبدو ليس مسك الختام، فهو محاولته العزوف عن أخراج الأفلام الروائية ورغبته في العودة ثانية لأخراج الأفلام الوثائقية بسبب سّنه، كما يقول. فبعد فيلمه الوثائقي عن مغني الأحتجاجات الستيني بوب ديلان وفيلم (فليشع النور) عن فرقة رولنگ ستونگ، يواصل سكورسيزي سلسلة أفلامه الوثائقية الموسيقية بمشروعه السينمائي الوثائقي الجديد الذي يتناول حياة نجم الغناء بوب مارلي الأثيوبي الأصل والجامايكي الجنسية الذي ذاع صيته في سبعينات القرن الماضي والذي توفي عام 1981 نتيجة إصابته بمرض السرطان. أما الثاني فهو يتحدث عن الموسيقي السابق في فرقة رولنغ ستونز المغني الشهير مايك جاگنر، حيث كلف ويليام موناهان سيناريست فيلم (الراحلون) بكتابة السيناريو الذي سيكون عنوانه (العزف الطويل). أما التصريح الأخير فهو عودة شمله مع ممثله المفضل روبرت دي نيرو في عمل مشترك تاسع سيحمل عنوان (I Heard you paint Houses) المعّد عن كتاب تشارلس برانت ((The Irish man الذي يتضمن جريمة قتل حقيقية. وقد كلف السيناريست ستيف زايلان في كتابة السيناريو، الذي سيلعب فيه الممثل روبرت دي نيرو دور رجل العصابة الشهير والسيء الصيت شيرمان وهو الدور الرئيسي في الفيلم.

 

 

 

 

العودة إلى منزل الطفولة

 

على الرغم من أن سكورسيزي يبغض فكرة أن يختار فيلمه المفضل من بين أفلامه، إلا أن الفيلمين الذين ضّلا قريبين إلى قلبه هو الفيلم الوثائقي “الأمريكي ـ الإيطالي” الذي أخرجه عام 1974 والذي هو عبارة عن محادثة طويلة حميمة وشيقة مع والديه كاترين وتشارلي سكورسيزي وهما يجلسان على مائدة الطعام في منزلهما، يحكيان عن تنشئتهما الأيطالية قبل هجرتهم إلى أمريكا.

الفيلم هو بمثابة نوستالجيا لمنزل الطفولة، ورحلة داخلية للبحث عن أسلاف حلقوا كالغبار في فضاءات المهاجر والمنافي.

 

أما فيلمه الوثائقي المفضل الثاني “رحلتي إلى إيطاليا 1999 فهو الآخر حين لأفلام الطفولة، فيه يتابع ويحلل السينما الأيطالية منذ الأربعينات وحتى الستينات، تلك الأفلام التي شهدها في طفولته، والتي أضاءت له الطريق إلى المجد.

يقال أن سكورسيزي كلما شاهد هذين الفيلمين أغرورقت عيناه بالدموع.

 

***

 

هوامش:

 

(*)

 

ولد مارتن سكورسيزي عام 1942 من أبوين صقليين مهاجرين. كان والده يعمل كاوياً للملابس، ووالدته تخيط الثياب في المنزل في منطقة كوين، الحي الأيطالي الصغير في نيويورك.

 

كان مارتن طفلاً هادئاً يعاني مرض الربو المزمن وعاهات جسدية أخرى أقصته تماماً عن ممارسة الرياضة والأختلاط بأطفال منطقته، أولئك المولعين بالشجار، كما يقول سكورسيزي في سيرته الذاتية، وهو ذات السبب الذي دفع والديه حينها إلى أخذه لدور السينما لمشاهدة الأفلام لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون معه.

 

حين اكمل المدرسة دخل ديراً، حيث كان ينوي يومها أن يصبح راهباً، إلا أنه توقف عن الذهاب إلى ذلك الدير بعد عام، وتفرغ للشيء الذي كان مولعاً به في طفولته وهو مشاهدة الأفلام.

وهكذا أنفق الكثير من فترة صباه وحيداً جالساً في قاعات السينما أو مشاهدة أفلام سينمائية في التلفزيون، وفي عودته إلى المنزل كان يشرع حالاً في رسم ذلك الفيلم الذي شاهده، لقطة بلقطة، على ورق دفاتره المدرسية.

 

إلتحق أواسط الستينات بمعهد الفيلم في جامعة نيويورك وحصل على شهادة الباكلوريوس في بحثه ” الفيلم كوسيلة لنقل المعلومات” و ماجستير فن في نفس المجال عام 1966، مما أهلـّه للعمل في نفس المعهد بدرجة أستاذ، حينها كان حصل على الكثير من الجوائز على أفلامه المدرسية القصيرة تلك، أمثال ” ماذا تفعل فتاة جميلة مثلك في هذا المكان؟ ” عام 1963 و “لستَ وحدك فقط يا موراي “عام 1964، وفيلم ” Big Shave” الذي حاز هو الآخر على جوائز من مهرجانات سينمائية عديدة.

 

بقي مارتن في الجامعة لغاية عام 1970 وكان قد أنجز حينها فيلمه الروائي الأول “من ذا يطرق بابي؟” عام 1968 ، وهو مشروع صغير الحجم يتحدث عن شبان أمريكان ذو أصول إيطالية، وهو مثل كل أفلامه الروائية الأخرى، يخفي تحت جنباته سيرته الشخصية، مؤكداً فيه على دراسة الشخصية أكثر منه دراسة للحبكة الدرامية.

 

في عام 1970 عمل مونتيراً مساعداً في الفيلم الموسيقي الوثائقي Woodstock لمخرجه مايكل وادلي، وكان فيلماً عن موسيقى الروك.

 

وكان سكورسيزي قد حصل أيضاً على خبرة عميقة في مجال الأنتاج حين عمل مساعداً ومسؤولاً للأنتاج في الكثير من الأفلام الوثائقية أمثال Medicine Ball Caravanلـريتشنباخ عام 1971. بعدها عمل ولفترة قصيرة في الوحدة التلفزيونية BC في برنامج لتغطية إنتخابات المرشح هيبرت همفري.

 

أما فيلمه الروائي الثاني “عربة بيرثا” فقد أنجزه عام 1972

 

122503

فيلمه المميز الأول كان “الشوارع القذرة” 1973 وهو مثل فيلمه السابق “من ذا يطرق بابي؟ ” تجري أحداثه في “إيطاليا الصغيرة” الحي النيويوركي الذي نشأ فيه، وكان قد لعب فيه الممثل

المزيد


مساهمة قيمة للصديق الناقد والمخرج العراقي الاستاذ على كامل

أكتوبر 23rd, 2008 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

مارتن سكورسيزي(*)

 

البعض يحلم في المستقبل، فيما هو منهمك بتشييده!

الجزء الاول          1/2

لندن. علي كامل

 

0

إستطاع أخيراً مارتن سكورسيزي، وبعد خمسة ترشيحات سابقة إمتدت لفترة تقرب من الثلاث عقود، أن ينتزع جائزة الأوسكار بكفء.

أرجو أن تتأكدوا من أن هذا هو المظروف الصحيح..!!” هذا ماقاله سكورسيزي في حفل جائزة الأوسكار مازحاً مع الشخص الذي فتح المظروف ليعلن عن فوزه بالجائزة كأفضل مخرج سينمائي لعام 2006 عن فيلمه الأخير “الراحلون The Departed ” والذي حصل على ذات الجائزة أيضاً كأفضل فيلم.

 

 

(القسم الأول)

 

 

(كل ما أردت أن أكونه في حياتي هو أن أصبح راهباً أبرشياً عادياً ولا شيء آخر)

 

مارتن سكورسيزي

 

 

 

لم يكن سكورسيزي مخرجاً سينمائياً فحسب إنما كان سيناريستاً ومنتجاً، معلقاً سينمائياً ومونتيراً، وبين الحين والآخر ممثلاً، أما في صباه فقد كان يحلم أن يصبح راهباً!.

 

إن عالم السينما وتأريخها سيكونان بائسين حقاً من دون أيقونات كلاسيكية ـ معاصرة أمثال “سائق التاكسي” ،”الرفاق الطيبون” ، “الثور الهائج” ، “الأغواء الأخير للمسيح” و “عصابات نيويورك”، ذلك لأن الحماسة المشتعلة لهذه الأفلام هي التي أيقظت الأحاسيس الهوليوودية الخدِرة وأنعشتها ثانية بعد أن كشفت الطبيعة الزائفة والتدميرية لأفلامها.

 

على العكس من بعض مجايليه ومعاصريه أمثال كوبولا و بالما وبوغدانوفيتش وغيرهم، ظلّ سكورسيزي يواصل خلق أفلام ضخمة، جميلة مبتكرة ومهّمة، فيما بقي الآخرون يجترّون نتاجاتهم الماضية بعد أن فقدوا ذائقتهم وتفردهم ولم تعد أفلامهم تمتلك تلك القوة في التأثير على الناس والعصر.

 

لقد عالجت أفلامه الجوانب المعتمة من حياة المهاجرين الصقليين المتحدرين من أصل إيطالي، أولئك الذين قدموا إلى أمريكا في العقد الثاني من القرن الماضي.

إنها شخصيات غارقة في إحساس دائم بالأثم الكاثوليكي، أناس حالمون بالسلطة، مهوسون بالمال والعنف، رجال مثيرون للمتاعب، يعذبون أنفسهم بنفس القدر الذي يعذبون فيه ممن حولهم.

 

هكذا يتعامل سكورسيزي بإستمرار مع شخوص كهؤلاء، رجال كانوا أم نساء، يعانون دائماً من أزمات حادة بسبب طموحاتهم المشروعة أو غير المشروعة لتحقيق ما يحلمون به.

 

 

8023

أما فضاءاته الفلمية فهي محكومة بقوانين صارمة وقاسية، سواء كانت تلك التي يفرضها الولاء لرجل العصابة في أفلام كـ (الرفاق الطيبون ، عصابات نيويورك) أو تلك الضوابط والقيود الشديدة التي لا تقل قسوة وصرامة لمجتمع الطبقة العليا، كما في فيلم (سن البراءة).

 

الفنان الذي يعيش زمناً ليس زمنه

“إنني أنتمي إلى الماضي” ، هكذا يقول سكورسيزي، شاعراً بوخزة ألم شجية كونه موضع حسد، مقارنة بمخرجي هوليوود القدامى الذين كان لديهم نفوذاً كبيراً عليه، أولئك الصّناع المهرة الذين إستطاعوا بتلك الطاعة والأذعان والصبر أزاء الإذلال الهوليوودي من أن يحققوا أفلاماً مدهشة واحداً تلو الآخر بإحساس مفعم بالسعادة.

 

ومع ذلك فهو، كمخرج، يشعر بالقلق أحياناً من أنه ربما يكرّر نفسه، ومن أنه لن يتمكن مطلقاً أن يعمل أفلاماً تتوائم ورؤى مخرجي الأجيال الشابة لأنه “ليس من هذا العالم المعاصر” كما يقول.

 

على الرغم من أننا لا نوافقه هذا الرأي، إلا أنه على حق، لأنه ليس من هذا العالم المعاصر حقاً، فمخرج مثله كان على الدوام وما يزال يتطلع نحو الأمام، ليس فقط بسبب مهارته التقنية أو أسلوبه الذي لا يحاكى، بل بسبب أن شخصاً موهوباً مثله لا يمكن أن يكون منتمياً إلى الحاضر قدر إنتمائه إلى المستقبل، المستقبل الذي لن يحيا أحد منا ليراه، أعني عصر الألق الأوتوبـي، العصر الذي سيصبح فيه مفهوم (المخرج ـ الخالق) شيئاً مّسلماً به، حين ُيفهم المخرج على أنه مؤلف الفيلم، خالقه، ومبتكره، لأنه المعماري الوحيد الذي يمتلك الحق في إقصاء أو إضافة أيّ شيء من وإلى بنية معمار الفيلم.

 

على الرغم من أن هناك ميلاً للظن بشكل حاسد كئيب، من أن سكورسيزي هو ليس في موقعه الصحيح، ذلك أن قدماه مسمرتان في الماضي فيما يداه مقيدتان خلف ظهره من قبل الحاضر.

من الواضح جداً أن تلك الأفتراضات والظنون والأوهام كانت جلها قد وظفت بقصد النيل من أهمية هذا الكائن المبدع، ومع ذلك فلا شيء من ذلك الهذيان إستطاع أن يمنعه من الجلوس هكذا مسترخياً ومقهقهاً من الأعماق حتى اللحظة.

 

 

بإيماءاته نحو الماضي وقلقه المتواصل حول المستقبل، أصبح سكورسيزي هو البيرغماتي الأول الذي حقق جزءاً ليس بالقليل من قناعاته الخاصة، لأنه تعّلم كيف يكون ناجحاً وسط منظومة الطحن التي تسحق كل شيء، أعني هوليوود وصناعتها السينمائية، والدليل الجلي على صبره وثباته ومهارته هو أنه إستطاع أن يحصل على ما يريد كفنان، وأن يحقق الأكثر مما كان يحتاجه كأنسان. لقد كان جّده صانع سقالات بناء، أما هو فقد أصبح معماري أفلام.

 

صحيح أنه يزهو بـ (أناه) حاله حال كل المخرجين الناجحين الكبار، إلا أنه لم يكن يوماً شخصاً متغطرساً أو مغروراً، وما (أناه) تلك إلا صورة لأعتداده بنفسه، ومع ذلك فهو يمتلك مغزىً مرحاً وضحكاً متفجراً وطاقة مدهشة في الأستخفاف بالذات والقدرات الشخصية، لكن ذلك لم يمنعه بالطبع من أن يكون جاداً في عمله لدرجة السكتة القلبية. إنه مثل كل البشر الفاتنين والساحرين في هذا العالم، تتضمن حياته تناقضات وتعارضات مذهلة.

 

لقد ُكتب الكثير الكثير عنه، فهل هو بحاجة إلى تقديم!؟. إلا أن من الثابت القول أن هناك شيئان وشيئان فقط كانا قد طبعا مسيرة حياة قديس السينما هذا، فهو ينفق وقته إما في مشاهدة الأفلام التي تحتويها مكتبته الخاصة، أو تراه يبحر رحلاته الأخراجية في مواقع التصوير مجسداً فضاءات أحلامه على أشرطة السيللويد، فهو يعتقد إن ولادة فيلم جديد، هو بمثابة تحديث للتقاليد الأبداعية الحية للأنسان، ولو بشكل مختلف.

صفة ثالثة أيضاً يمكن أن تضاف إلى طباعه، هو عشقه للموسيقى، موسيقى البوب، الروك، الأوبرا، والموسيقى الكلاسيكية بالطبع. فمارتي، كما يحب المقربّون إليه مناداته، يبحث دائماً عن اللحظة التي يمكن فيها للموسيقى والمشهد السينمائي معاً، أن يغيّرا، عبر تناغمهما، من البنية الطبيعية للفكرة، فهو يشبّه الصلة بينهما مثل صلة البنزين بعود الثقاب تماماً، ولعل أحد المشاهد الشهيرة التي يفضلها دائماً كورسيزي كدليل على تلك الصلة،هو مشهد إحتراق السيارة التي تنفجر في فيلم ” كازينو ” والتي كان قد إستخدم فيه موسيقى هي مزيج من فضاءات فـِـل سبيكتور و فيردي.

أما الموسيقى التي إستخدمها في فيلم “الشوارع القذرة” فهي مستوحاة من تلك الموسيقى التي كان يسمعها دائماً تتعالى من نوافذ البيوت المجاورة في الحي الذي كان يعيش، كما يقول.

 

ثيلما سكونميكر (المونتيرة التي عرفته منذ سنوات الدراسة أواسط الستينات في المعهد السينمائي التابع لجامعة نيويورك، والتي قامت بمونتاج جل أفلامه تقريباً، لعل آخرها فيلم “الطيار”) عنه تقول:

 

“الشيء المميز عند مارتي أنه يحمل في خزين ذاكرته قطعاً موسيقية كان سمعها منذ ثلاثة أو أربعة عقود مضت، إلا أنه يتذكرها بدقة وحساسية الموسيقي تماماً، ويعرف كيف يوظفها في الفيلم، بل لا أبالغ إن قلت أنه كان يعرف أين يضعها بالتحديد في كل مفصل من مفاصل الفيلم.

إنه يمتلك ذاكرة قوية جداً، ذاكرة فوتوغرافية إذا جاز لي القول، فهو يتذكر القطعة ومتى سمعها.

لقد أخبرني مرة حين كنا نعمل على إحدى القطع الموسيقية أنه كان قد سمع تلك القطعة في طفولته في دكان لبيع النقانق حين كان ذاهباً مع والدته للتبضع.

ومع ذلك فحين يدخل مارتي غرفة المونتاج يكون قد جلب معه ستة أو سبعة قطع موسيقية، نقوم معاً بتجريبها لفترات طويلة مع المشهد لنختار الأفضل في النهاية”.

 

 

1172

إن حساسيته الموسيقية يمكن أن نعثر عليها متجلية في عدد من أفلامه، ولعل فيلمه الموسيقي

“نيويورك نيويورك” هو مثال ساطع على ذلك، الفيلم الذي هو بمثابة عودة مليئة بالحنين والشوق لأفلام هوليوود الموسيقية في الأربعينات. كذلك “الفالس الأخير” فيلمه الموسيقي الآخر الذي أخرجه عام 1978، ثم شريط الفديو الغنائي الوثائقي ” Bad” عام 1987 الذي صوره عن مايكل جاكسون، وأفلام وثائقية موسيقية أخرى مثل Blues2003 وآخر بورتريت موسيقى للفنان بوبي ديلان، وأفلام أخرى.

 

يمتلك مارتي أذناً لاتخطىء، وهو حين يعمل على المؤثرات الصوتية يعمل بنفس الحساسية الموسيقية والدقة التقنية” هكذا تقول مونتيرته سكونميكر..

 

 

الشراكة الأبداعية

 

 

تمتد مهنة سكورسيزي كمخرج سينمائي إلى نحو أربعة عقود أو أكثر، تضمنت خلالها أفلاماً أصبحت أشبه بأيقونات لزمننا، ومن بين تلك الأفلام أفلاماً هي بمثابة تعاون ثنائي أو شراكة إبداعية ألقة بينه وبين الممثل الخلاق روبرت دي نيرو، وهي حسب تساسلها الكرونولوجي:

 

1 ـ “الشوارع القذرة” 1973

2 ـ “سائق التاكسي” 1976

3 ـ “نيويورك نيويورك” 1977

4 ـ “الثور الهائج” 1980

5 ـ “ملك الكوميديا” 1983

6 ـ “رفاق طيبون” 1990

7 ـ “رداء الخوف” 1991

8 ـ “كازينو” 1995

 

لقد كان العمل مع بوبي في تلك السنوات شيء إستثنائي حقاً.. (هكذا يحّب سكورسيزي والمقربين من روبرت دي نيرو أن يسمّوه)..

“إبتداءاً من ـ الشوارع القذرة ـ و ـ سائق التاكسي ـ كنت أحس أنني وبوبي نتماهى عاطفياً وسيكولوجياً في الكثير من الأشياء، نتماهى في قناعاتنا ومنظومتنا الفكرية ووجهات نظرنا الأجتماعية، وأيضاً في صداقاتنا وطبيعة الأفلام التي نحلم بعملها، وأشياء أخرى.

مع ذلك، كنا أشبه بعشاق جدد، حيث لم نفصح يومها عن مكنوناتنا تلك بعضنا لبعض، ولم نكشف حتى عن كيف يشعر أحدنا أزاء الآخر.

من المحتمل جداً أن بوب هو القرين السيكولوجي والوجداني لي على نحو مضاعف.” .

 

لاشك أن تلك العلاقة الحميمة والخفية، قد دفعت بهذين الخلاقين من أن يمنح أحدهما الآخر، الأفضل والأفضل، كلٌّ في مجاله، رغم أن جودي فوستر، الممثلة العذبة والمرهفة التي سبق لها وأن مثلت في فيلم سكورسيزي “سائق التاكسي” وفيلمه السابق “لم تعد أليس تعيش هنا بعد الآن” لها رأي مخالف، فهي تعتقد أن الأثنان، عملياً، هما شخصيتان مختلفان ومتعارضان!.

 

“مارتي وبوبي ـ المقصود مارتن سكورسيزي وروبرت دي نيروـ “تقول فوستر:” هما من أكثر الشخصيات تعارضاً. فعلى الرغم من أنهما يعملان معاً أفلاماً هامة بشكل جميل ومبتكر، إلا أنه لا وجود لشيء خاص في شخصيتهما يجعل الواحد يظن أن علاقتهما نموذجية حتى الكمال. فمارتي مثلاً كثير الكلام، وهو شخص ممتلىء حماسة ويقلقه جداً ما يجري في العالم، إلا أنه مع ذلك يستجيب لكل ذلك بروح من الفكاهة والمرح، فيما نرى بوبي شخص منعزل جداً، أو هكذا يبدو في الأقل، وهو ليس بالضرورة يعي أو يقلق بما يجري في العالم من أحداث كما هو الحال مع مارتي.

بوبي شخص هادىء وهادىء جداً.

 

بمعنى آخر، لو قدّر لك مثلاً وأن رأيت الأثنين يجلسان معاً في غرفة واحدة، فمن المؤكد أنك ستحس أن من المستحيل جداً لهما أن ينسجما، على الرغم من أنهما في عملهما السينمائي يبدوان كما لو أن أحدهما يبتدأ الجملة والآخر يكملها”..

 

روبرت دي نيرو يعترف نفسه أنه هو وسكورسيزي “شخصان مختلفان جداً” فهو يقول:

 

“لدينا نحن الأثنان خلفيات متباينة، وكل واحد منا يعمل أفلامه لأسبابه الخاصة به. إلا أننا صادقان، نزيهان وصريحان، حين يتعلق الأمر في ما نريد، حين نتحدث عما نريد، وعن دلالات ما نريد، وعن نوع التماهيات بين أفلامنا وحيواتنا.

 

 

122480

مارتي يختلف ، نوعاً ما، عن الكثير من المخرجين في حبه لمساعدة الناس العاملين معه، فهو يمنحهم الأحترام الذي ينشدونه، والذي من شأنه أن يدفعهم إلى تفجير طاقاتهم أكثر في العطاء، فضلاً عن أنه أيضاً يعطي فرصاً للعاملين معه أكثر بكثير من المخرجين الآخرين، ففيما البعض منهم ربما يفكر مرتين قبل القيام بذلك، نرى مارتي يفعل ذلك حالاً وبدون تردد أو إبطاء.

 

إنه على الدوام يمنح الممثل الثقة بالنفس لأن يحاول ويجرب

المزيد


إمير كوستوريتشا

أكتوبر 9th, 2008 كتبها محمد بلوش نشر في , سينما عالمية

 

     (لو لم يكن مارادونا لاعب كرة، لكان ثائراً)

 

                                                                                                   إمير كوستوريكا

 

 

 

تقديم وترجمة: علي كامل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ            

 

كثيرة هي الكتب التي كتبت عني وعديدة هي الأفلام التي صورتني، لكنها جميعاً أظهرتني إنساناً شريراً وسيئاً وعادياً للغاية بغية الإساءة لي. أما كوستوريكا، فقد إستطاع أن ينفذ إلى أعماق قلبي، أن يتحدث عني ومعي ليستكشف اللحظات الجميلة والسيئة في حياتي“.      

                                                                                              مارادونا

 

 

7921

مارادونا وكوستوريكا غنيان عن التعريف، الأول هو “الطفل الذهبي” كما يحب شعوب أمريكا اللاتينية مناداته، والذي ترك بصمته الراسخة كأفضل لاعب كرة قدم في العالم بعد هدفه الشهير الذي حققه ضد فريق إنجلترا في بطولة كأس العالم عام 1986، الهدف الذي يسميه كوستوريكا “هدفٌ من أجل ترسيخ العدالة”.

أما إمير أو “الغجري الأخير”، فهو أمل السينما الأوربية والعالمية على حد سواء، والذي سبق له أن فاز بسعفتين ذهبيتين في مهرجان كان عن فيلميه: “حين كان أبي في رحلة عمل” عام 1985 وفيلم “أندرگراوند” عام 1995(1). وفيلمه الجديد عن مارادونا هو الفيلم الوثائقي الأول له.

مارادونا وكوستوريكا هما بمثابة إلتحام متجانس لعبقريتين خالصتين في ميداني السينما وكرة القدم.

 

كان كوستوريكا قد بدأ العمل على هذا الفيلم منذ عام 2005 والذي كان ثمرة لدعوة وجهّها المخرج لدييغو مارادونا لزيارته في منزله في صربيا، تلك الزيارة التي أسست لعلاقة حميمة وصادقة بين إثنين مشاكسين للسائد، والتي توجت أخيراً بمشروع عمل الفيلم هذا.

كان كوستوريكا حينها قد أجرى حواراً طويلاً وعميقاً مع مارادونا في لقاء تلفزيوني قال فيه للصحفيين يومها:”إن مارادونا فتح لي قلبه”.  

لم تجري عملية إنجاز الفيلم بيسر، فقد توقف العمل على الفيلم أكثر من مرة لأسباب كثيرة لامجال هنا للبحث فيها، إلا أنه أستؤنف فيما بعد بحماسة شديدة وتم الإتفاق على أن يتزامن إكمال الفيلم مع إفتتاح مهرجان كان الحالي.

 

يقول كوستوريكا بشأن فكرة الفيلم أثناء فترة التحضير والتصوير له: “ربما سيكون هو الفيلم الأول الذي يعالج كل جوانب حياة مارادونا. وسيكون العمل عليه معقد جداً بالطبع لأنني أريد أن أظهر الشخصية الحقيقية لهذا الإنسان.

 

3972

الفيلم يتناول ثلاث شخصيات لماردونا تلك التي إستطعت إكتشافها أثناء عملية التصوير: الأولى، معلم كرة القدم ولاعبها الخلاق، والثانية، المواطن الأرجنتيني المشاكس للسياسة الأمريكية أحادية الجانب. وأخيراً، الإنسان المولع بالحياة العائلية بثبات.

ستتجلى هذه الشخصيات الثلاث تماماً في نهاية الفيلم والتي سأصورها في ملعب “آزدك” في المكسيك، المكان الذي سجل فيه مارادونا أحد أشهرالأهداف خلال بطولة كأس العالم عام 1986 ضد المنتخب الأنگليزي”.

 

كان كوستوريكا يؤكد في كل لقاء يجرى معه على أنه سيُظهر الصورة الحقيقية لهذا اللاعب الأرجنتيني الذي وصمته الصحافة الصفراء في السنوات الأخيرة بالإدمان على الكحول والمخدرات والشراهة في الأكل.

سيعكس الفيلم أيضاً، حسب كوستوريكا، الرؤى السياسية الخلافية لمارادونا، إنتقاده وشجبه لسياسة الولايات المتحدة إلى جانب إعجابه بحركات التحرر في أمريكا اللاتينية ممثلة بأرنيستو تشي جيفارا وفيديل كاسترو، اللذان هما من أقرب أصدقائه، كما يقول.

 

وكوستوريكا يشارك مارادونا رؤاه ومواقفه إزاء سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الذي كان قد شارك في موكب الإحتجاج ضد زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للأرجنتين عام 2005، بمصاحبة مارادونا والرئيس الفنزويللي تشافيرز المعروف بموقفه الأنتقادي والأكثر راديكالية لإدارة بوش الأبن.

في الواقع ثمة إعجاب متبادل بين الإثنين، فمارادونا معجب بكوستوريكا، ومصدر الإعجاب هذا ربما هو سحر وغرائبية العالم الذي صوره كوستوريكا في أفلامه.

من الممكن العثور على أكثر من قاسم مشترك بين الإثنين، ربما أحدها ذلك التماهي بين الحياة الهامشية لشعوب دول البلقان وبين الأحياء الفقيرة في بوينس آيرس. المشترك الآخر، معالجة كوستوريكا لموضوعة “الموت” التي يقابلها عند مارادونا تجربة الموت التي قاساها، فمعروف للجميع أن مارادونا قد تعرض لموت سريري إستغرق مدة أربع دقائق وبعث ثانية إلى الحياة.

في أفلام كوستوريكا نجد الشخصيات تموت ثم تبعث ثانية من جديد دون أي تفسير، وهو يضعك أحياناً في موقف ملتبس تحار دون معرفة أنهم أحياء أم موتى!.

 

مارادونا نفسه كان يفكر بالموت كثيراً، وكان كثيراً مايكرر في أحاديثه جملة “في الفترة التي مّت فيها” أو حتى “في الفترة التي مّت فيها حقاً”.

الموت السريري لمارادونا أذهل يومها علماء الطب وأصدقائه، فأعتبروا نجاته بمثابة “معجزة إلهية”.

كوستوريكا معجب هو الآخر بمارادونا وقد عبّر عن حبه وإمتنانه لصديقه بهذه الكلمات الحميمة قائلاً:”أنا معجب بقلقه حول مايدور في العالم، معجب بمرحه وإنسانيته”.

وهكذا فقد شيّدت هذه القواسم المشتركة بينهما صداقة حميمة وفريدة من نوعها، حيث التماهي بذات الرؤى في السياسة والثقافة والحياة عموماً.

 

ثمة صديق ثالث إنضم للمشاركة في هذا الفيلم هو المغني والمؤلف الموسيقي الفرنسي الباسيكي مانو تشاو، المعروف بإهتماماته الجادة بمواضيع العالم الثالث الرئيسية كالفقر والعنصرية، والتي كثيراً ماإستخدمها وبشكل مكرر في أغانيه، فضلاً عن مشاركته الإثنان ذات الموقف السياسي إزاء الولايات المتحدة الأمريكية.

وحول مشاركته في الشريط الموسيقي للفيلم يقول مانو:” إلتقينا نحن الثلاثة في ناپولي وطلب مني إمير أن أغني (سانتا مارادونا) لكنني لم أحبذ الفكرة، لذا قمت بتأليف وتلحين أغنية جديدة خاصة بالفيلم هي بعنوان (الحياة مغامرة)”.

 

عموماً، يمكن للمرء أن يتوقع من كوستوريكا فيلماً مشاكساً “سياسياً” آخر، ومن المحتمل جداً أن يكون رائعة سينمائية أخرى تضاف إلى رصيده الألق.

 

 

                                                                ***

 

                                    الفقر أقدم من الغنى

 

ثمة أولاد زنى يقفون دائماً في صف واحد من أجل أن يسحبونك إلى الأسفل بإتجاه الأرض.

ينبغي علينا أن نحّلق عالياً بين الحين والآخر، وعلينا جميعاً أن نحس بتلك البهجة. وبدون ذلك نحن لاشيء“.                                                                                    كوستوريكا

                                                                                                                                           

                                                                 

 

* الحوار أدناه هو حوار حميم جرى بين دييغو مارادونا وإمير كوستوريكا في صربيا عام 2006، حين  كان مارادونو ضيفاً في منزل كوستوريكا، وقد نشر يومها في الصحيفة الصربية  “السياسة”.

 

كوستوريكا: (تعليق)

دييغو مارادونا إنسان كان يحس برغبة شديدة في الثأر لحظة توجيهه الكرة نحو هدف إنگلترا خلال مباراة كأس العالم عام 1986، ليس هو فحسب، بل السبعة عشر لاعباً الذين كانوا يقفون خلفه في تلك اللحظة، أولئك اللاعبون الذين قدموا من أجل إعادة الكرامة لكل الناس المهانين لسنين وسنين والذين كانوا بإنتظار لحظة الثأر هذه. لم يعد هناك لاعبو كرة قدم يقفون إلى جانب الفقراء بعد لاعب الكرة الألماني پاول بريتنر سوى مارادونا. إنه بالنسبة لي في تلك اللحظات القليلة والحاسمة، لم يكن يوجه الكرة نحو الهدف فحسب، إنما هدّفها نحو مارغريت تاتشر، رولاند ريغان، بريطانيا العظمى والملكة إليزابيث الثانية والأمير تشارلس، الپاپا بول جون الثاني، وطالما كرة القدم هي لعبة تخييلية، فيمكننا عندئذ أن ندرج إسم جورج بوش الأب والإبن إلى القائمة!.. وبالنسبة لمارادونا كان ذلك كافٍ جداً.

ربما يظن بعض الناس أن لاعبي كرة القدم هم أناس أغبياء. ربما الجميع حقاً يظن ذلك. صحيح إنهم غير متعلمين! لكنني مع ذلك لا أتفق مطلقاً بأنهم أغبياء، لإنه كيف كان بإمكانهم عمل كل تلك الملاييين من الدولارات في حساباتهم البنكية إن لم يكونوا أذكياء.

حين كنا في الموكب الإحتجاجي المتوجه نحو “مار دل بلاتا” في التظاهرة ضد بوش، وكان مارادونا ضمن هذا الموكب، إكتشفت أن پاول بريتنر لم يكن وحيداً يومها، وأن ماحدث في السبعينات لم يضيع إلى الأبد. في هذا الموكب لم يكن هناك مكان للغباء.الوضع كان على العكس تماماً.

 

مارادونا:

هل تعرف يا إمير أنني تعلمت كرة القدم في العتمة حين كنت صغيراً. كان ثمة ملعب لفريق من الفئة الرابعة يقع خلف منزلنا. كنت ألعب الكرة كل يوم. وحين كان يغادر بقية الأطفال إلى بيوتهم كنت أبقى لوحدي مدة ساعتين ألعب في تلك العتمة. لم يكن بإستطاعتي رؤية أي شيء في تلك العتمة! كنت أضرب نحو الهدف، كنت أوجه الضربات نحو عصاتين كبيرتين بحثاً عن الشبكة.

 

6143

بعد عقد من الزمن وحين وقعّت عقداً لأجل نادي “صغار السن الأرجنتينيين” أدركت أن الكرات التي كنت أضربها في تلك العتمة كانت متقنة وصحيحة تماماً.

 

 

كوستوريكا:

أنت ولدت في حي “فاڤل فيوريتو” الذي هو من أكثر أحياء بوينس آيرس فقراً. ينبغي علي هنا أن أسأل عما كان يدور في ذهنك، لأنك لم تنس أولئك الناس أبداً ، وبقيت معهم إلى الأبد…

 

مارادونا:

الفقراء لايخذلونك ولايتخلون عنك أبداً.. معظم أصدقائي خذلوني وأحدهم “كوبولو” مدير فريقي الذي سرقني وسلبني أموالي. أما أبناء الحي الذي كنت أعيش فيه في فيوريتو فقد بقوا مخاصين كما هم.

حي فيوريتو مكان حقيقي للفقر. ربما توجد الآن الكثير من الشوارع الإسفلتية هنا وهناك، لكن الفقر بقي نفسه مثلما كان يوم كنت أعيش في ذلك الحي.

السياسيون وأولئك القريبون من الحكومة أصبحوا أغنى وأغنى. أنا أيضاً أتيحت لي الفرصة أن أصبح أحدهم، لكنني رفضت وقلت لا. لأن ذلك يستلزم السرقة من الفقراء.

مرة واحدة فقط في حياتي تحدثت فيها مع أناس يشتغلون في السياسة في الأرجنتين، وقلت لهم كل شيء عما فعلوه، لكن

المزيد


التالي



المدرسة العربية للسينما والتلفزيون

www.arabfilmtvschool.edu.eg