تاركوفسكي..
رحلة إلى عالمه الداخلي (*)
"نوستالجيا، أو، الحنين إلى الوطن"
علي كامل
(ترجمة عن اللغة الروسية)

كان تاركوفسكي أشبه بمعجزة.. أحسست فيه بمن يشجعني ويحثني، بمن يعبرّ عما كنت أريد أن أقوله دائماً، ولكن من دون أن أعرف كيف أقوله.. تاركوفسكي بالنسبة لي هو الأعظم.. لقد إبتكر لغة جديدة.."
(بيرغمان)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(نص المقابلة)
باخمان: وددت في البدء أن أسمع إنطباعاتك عن العمل في الخارج..
تاركوفسكي: فيلم "الحنين" (**) هو أول فيلم وبداية أول تماس لي بتقاليد العمل في الخارج. إن عملية تصوير فيلم هو أمر عسير في كل مكان دون شك، لكنني مع ذلك أظن أن الصعوبات يمكن أن تتغير.
أصعب مأزق هنا في الغرب وعلى الدوام هو شحة التكاليف المالية لإنتاج فيلم، كذلك ضيق الوقت. الجانب المالي، على وجه الخصوص، يضع عراقيل كثيرة في طريق إنتاج أي عمل إبداعي. وهكذا وبسبب شحة المال وعدم كفايته في تغطية تكاليف العمل الفني تبرز معضلة عدم كفاية الوقت.
كلما صورت كثيراً كلما زادت التكاليف. المال هنا في الغرب يلعب دور المستبد.
في بلادنا لم افكر مطلقاً في شيء إسمه الكلفة!.
حين وجهّت شركة التلفزيون الأيطالية دعوة لي لإخراج فيلم في إيطاليا كانت الميزانية المرصودة حينها للفيلم تكاد تكون شحيحة. وبما أنني لم تكن لديّ خبرة مسبقة للعمل خارج البلاد فكل الذي كنت أملكه هو فقط موافقتي على العمل، وكان المشروع يحمل صفة ثقافية وليس صفقة تجارية.
كان العمل مع فريق التصوير الأيطالي ممتعاً وقد ترك لديّ إنطباعاً طيباً لاسيما العمل مع الفريق التقني. إنهم فنيون محترفون وأصحاب خبرة، وأغلب الظن إن عملهم في فيلمنا منحهم إرتياحاً كبيراً. لآ أريد هنا أن أقارن بين أساليب عملنا وأسليب العمل في الغرب.
إن تصوير فيلم هو عملية عسيرة في كل مكان بغض النظر عن الظروف. لقد إقتنعت أن ثمة تبعية إقتصادية مباشرة هنا في الغرب، وإذا ما سادت هذه التبعية فإنها ستكون ذات نتائج خطيرة على مستقبل السينما وشكلها الفني.
باخمان: إن فكرة النزاع بين الأنسان والعالم المحيط به تشكل محتوى أفلامك الخمس التي أخرجتها خلال مايقرب العشرين عاماً. فهل تتجلى هذه الفكرة أيضاً في فيلم "الحنين"؟
تاركوفسكي: على العموم، وكما يبدو في النتيجة، فإن النزاع دائماً هو أقوى من الأنسان. الأبطال الرئيسيون يكاد يكونوا غالباً هم الضعفاء من الناس، أولئك الذين يتفجر الجبروت من ضعفهم.
النزاع بين الأنسان والمجتمع قائم على الدوام بين مزايا ذلك الأنسان ومحيطه. بمعنى أن ثمة علاقات متناحرة تسود بينهما بإستمرار، تلك التي نسميها "النزاع".
وفي حالة غياب تلك العلاقات المتناحرة فلا وجود في هذه الحال لشي إسمه نزاع!.
إنني أشعر بمتعة هائلة في العمل مع أبطال كهؤلاء، ممن تكن علاقاتهم بالمجتمع وإرتباطاتهم به هي الصفة المميزة لذلك النزاع.
إنهم يعيشون في هذه الظروف العاصفة المحيطة بواقعهم، وبناء على كل ذلك، يبرز لديهم النزاع مع ذلك المحيط.
بوّدي دائماً أن أرصد وبإستمرار، على أي نحو يحسم هؤلاء البشر نزاعاتهم تلك. هل سيرضخون، أم سيظلوا أوفياء لمبادئهم وقيمهم الأنسانية.؟.
باخمان: هل لك أن تحدثنا عن الكيفية التي ظهرت فيها فكرة فيلم "الحنين"؟
تاركوفسكي: لقد قمت برحلات وجولات إلى إيطاليا، وفي عام 1980 عقدت العزم على أن أعمل فيلماً سوية وصديقي الكاتب والشاعر والسيناريست الأيطالي تونينو غوييرا ( ***).
في هذا الفيلم أردت أن أوظف مجمل إنطباعاتي عن تلك الرحلات لهذا الفيلم.
البطل الرئيسي "غورتشاكوف" الذي لعب دوره أوليغ يانكوفسكي، هو مثقف روسي يسافر في مهمة إلى إيطاليا، وتسمية الفيلم جاءت من كلمة "نوستالجيا" أي الحنين. وهذه الكلمة لاتعني بالضبط، الشوق إلى ذلك العالم الذي يقف بعيداً عنا، والذي لم نستطع أن نتوحد فيه، وإنما تعني أيضاً، ذلك الشوق إلى الوطن، إلى منزل الطفولة النائي، إلى إنتمائنا الروحي.
لقد أجرينا تطورات جوهرية على الحدث ولمرات عديدة في مرحلة كتابة السيناريو ومرحلة التصوير.
لقد أردت أن أعبر في هذا الفيلم عن إستحالة العيش في عالم منفصل. غورتشاكوف، أستاذ تأريخ ذي شهرة عالمية ومعرفة بتأريخ الآثار الأيطالية تتاح له ولأول مرة إمكانية مشاهدة الأبنية المعمارية والآثار الإيطالية، تلك التي أصبح خبيراً بها من خلال الرسوم والصور الفوتوغرافية فقط!. إلا أنه، وبعد وقت وجيز من وصوله إلى إيطاليا، بدأ يدرك إستحالة أن يكون الأنسان وسيطاً أو مترجماً أو مختصاً بالأنتاج الفني مالم يكن هو نفسه جزءاً من تلك الثقافة التي خلقت هذا الأنتاج الفني.
هدف رحلة غورتشاكوف إلى إيطاليا على وجه الخصوص هو العثور على أثر لأحد الموسيقيين الروس القليلي الشهرة، والذي عاش في القرن الثامن عشر، وهو قن سابق تابع إلى كونت روسي، كان بعثه إلى إيطاليا ليتعلم هناك موسيقى البلاط.
لقد درس ذلك القن في الكونسيرفاتور "معهد عال للموسيقى" عند جان بلتيستي مارتيني، وأصبح فيما بعد موسيقاراً شهيراً، وعاش في إيطاليا حراً طليقاً.
إن أحد المشاهد الهامة في الفيلم هو المشهد الذي ُيطلع فيه غورتشاكوف مرشدته ومترجمته الشابة والتي تنحدر من أصل سلافي، على الرسالة التي كتبها الموسيقار وبعث بها إلى روسيا، وفيها يعّبر عن شوقه وحنينه إلى الوطن.
قيل فيما بعد أن ذلك الموسيقار عاد إلى روسيا لكنه أصبح مدمناً على الكحول ومات منتحراً!.
إن تأريخ إيطاليا وفتنتها كانا قد فجّرا عند غورتشاكوف إنطباعات مذهلة، فأصبح يعاني من عدم القدرة على أن يوّحد في نفسه مابين إيطاليا ووطنه روسيا. الأنطباعات الأولى التي منحتها أياه إيطاليا كانت تحمل طابعاً معرفياً، إلا أنه سرعان ما أدرك بإن عودته إلى الوطن ستضع نهاية لهذه المعرفة، وإن ما سيتبقى منها هو قشرتها الخارجية فقط.
هذا الأحساس فجّر لديه شعوراً بالحزن لاسيما حين أدرك أن ليس بإستطاعته نسيان تلك الأنطباعات، وإستحالة إستنتاج شيء جديد من المعارف التي إكتسبها في إيطاليا. هذه الحالة أصبحت فيما بعد تزيد وتضاعف من وجعه الروحي.
الحنين، يتضمن في وعي غورتشاكوف، عدم قدرة أقربائه وأصدقائه من أن شاطرونه تلك الأنطباعات، وهذا ما جعل بقاؤه في إيطاليا معذباً، لكن ذلك في ذات الوقت، أيقظ فيه ضرورة البحث عن صلة قربى بالروح، تلك الروح التي سوف تشاطره معاناته.
فيلم "الحنين" هو نوع من الجدل حول طبيعة الحنين نفسه، أو عن طبيعة المعاناة التي تسمى "نوستالجيا" والتي تتضمن معنىً أوسع بكثير من الأكتئاب.
إن هذا الأنسان الروسي غورتشاكوف بمقدوره أن ينفصل ويفترق بعناد كبير عن أصدقائه ومعارفه الجدد، إلا أن شوقه إلى إيطاليا صار جزءاً مكوناً لذلك الأحساس الذي لديه، والذي هو الحنين.
باخمان: كيف تجسدت روح القربى تلك، التي كان يبحث عنها غورتشاكوف؟
تاركوفسكي: لقد حاول غورتشاكوف أن يكشف عن إنطباعاته في أول لقاء له مع أحد الإيطاليين وهو معلم رياضيات إسمه دومينيكو " لعب دوره الممثل السويدي أورلند جوزيفسن " والذي يعتبره أهالي المدينة الواقعة في توسكانيا، جلاً مجنوناً.
دومينيكو هذا كان قد إحتجز عائلته في منزل منعزل قرابة سبع سنوات مهدداً أياهم بحلول نهاية العالم!.
هذا المجنون الصغير، الحالم الغامض، أصبح كما لو أنه شريك لغورتشاكوف. لقد كان دومينيكو واعياً بأحاسسيه وشكوكه، وكان يعي أيضاً أقصى حالات القلق الروحي لغورتشاكوف، بل كان مدركاً لكيفية تضخم ذلك القلق!.
دومينيكو كان يبحث عن مغزى للحياة، ذلك المغزى الذي يكمن في مفهوم الحرية والجنون. وهو من جانب آخر كان يمتلك إحساساً طفولياً وعاطفية غير مألوفة، وتلك صفات لاتوجد لدى غورتشاكوف.
إن جرحه الطري الأخير كان ينزف بسبب من أزمته الحياتية العميقة. هكذا، وكمجنون إيطالي صغير، تجده يحدق ببساطة في الأشياء، مقتنعاً أن وعيه الباطن ووجدانه المتنور سيعثران عبر مجمل الوضع العام على علاج لأمراض المجتمع.
السيناريست تونينو غوييرا كان قرأ عن هذه الشخصية في إحدى الصحف وكنا قد وضعنا فيما بعد، في وقت متأخر، أنا وهو شخصية دومينيكو في السيناريو بعد أن أضفنا عليها شيئاً من السحر الطفولي.
إن صدقه الطفولي في معاشرة العالم المحيط به، يذكرنا بصدق ويقين الطفولة. دومينيكو كانت تشغله فكرة إنجاز طقس ما، وهو أن يحمل بيده شمعة مضيئة ويسير في حوض ماء ساخن في حمام روماني قديم وضخم يقع في قلب ريف توسكانيا، وقد حاول غورتشاكوف القيام بذلك في وقت متأخر جداً بدلاً عنه، أما هو فقد كان يعتقد بأن المعضلة بحاجة إلى فعل أكبر، إلى وجوب تقديم تضحية أكبر. وهكذا سافر إلى العاصمة روما وإعتلى تمثال الأمبراطور ماركوس أفريلي، الفيلسوف الوحيد الذي جلس على عرش روما، والذي كان يدعو الناس إلى التكافل والتفاهم المشترك. من هناك، من أعلى التمثال، وقف دومينيكو يلقي خطبته المؤثرة وسط جمع من المجانين، عن محنة البشر وعدم قدرتهم على التوحد. وبعد أن أنهى تلك الخطبة صب الزيت على جسده وأضرم فيه النار وأحرق نفسه منجزاً ذلك الطقس بإيمان هادىء في الخلاص.
باخمان: هل توجد ثمة سمات مشتركة لدى أبطالك الرئيسيون تجعلك تقارن بينهم؟
تاركوفسكي: دعنا نقول هكذا، إن أكثر سمة أعشقها في الناس هي الثبات الذي يمتزج بالعناد والجنون في محاولات للوصول إلى صفاء أكبر، هذا الثبات الذي ينبغي أن يتسم بالأمل

باخمان: ألا تجد أن العلاقة التي تربط بين بطلين هي خلاصة لأحاسيسك الذاتية؟
تاركوفسكي: غورتشاكوف ينظر إلى دومينيكو المجنون على أنه شخصية متماسكة ومنطقية. دومينيكو كان يؤمن في كل ما يفعل، في حين كان ينقص غورتشاكوف ذلك الأيمان، لهذا تجده مشدوداً إلى دومينيكو. وهكذا وبفضل تطور علاقتهما، يصبح دومينيكو شريكه الذهني.
إن أشد الناس قوة في الحياة هم أولئك الذين نجحوا في الحفاظ على الصدق الطفولي والثبات الوجداني في أرواحهم حتى النهاية.
باخمان: من الواضح أن لديك أسساً ما إعتمدت عليها في تصوير فيلم كهذا، حيث يبرز بجلاء مغزى التحرر من التوتر الداخلي؟
تاركوفسكي: الجوهري لديّ هو أن ُأظهر للناس وبإستمرار عظمة وقدسية المعاشرة الأنسانية. حين ينزوي الأنسان في ركنه فإنه يحيا فقط من أجل ذاته، وما الهدوء الذي يغزو كيانه إلا محظ خداع محض. فقط حين يرتبط إثنان في تماس ٍ ما، عندذاك تبرز مشكلة إلى السطح: السؤال هو، كيف يمكن تعميق هذا الأرتباط؟
إن فيلمي يعالج أولاً، وقبل كل شيء، طبيعة النزاع بين شكلين من الحضارة، أسلوبين مختلفين للحياة، نمطين متباينين للتفكير. ثانياً، يتحدث الفيلم عن تلك العقبات التي تظهر في العلاقات بين البشر، ومثال على ذلك، العلاقة التي تنشأ بين غورتشاكوف ومرشدته الشابة يوجينيا، والتي تكاد تكون قصة حب غير مكتملة بسبب أن قيام علاقة حب بينهما هو أمر مستحيل!.
لقد أردت أن أظهر تلك الأستحالة في قيام علاقة ما مع الآخر بسبب أنك لاتعرف عنه إلا القليل!.
من اليس حقاً إقامة علاقة بين إثنين، إلا أن الصعوبة تكمن في جدلية فهم أحدهما للآخر!.
إذا كانت الفكرة قد عولجت تحت تأثير وجهة نظر كهذه، فهذا يعني أن الفيلم أظهر إستحالة توريد أو تصدير الثقافة أيضاً!.
نحن في بلادنا نبالغ حين نعتقد أننا نعرف " دانتي " أو "بترارك" لأن ذلك غير صحيح.
الإيطاليون يرتكبون ذات الخطأ حين يظنوا أنهم يعرفون "بوشكين". فإذا إفترضنا أن مسألة "المعرفة" تلك هي مسألة غير جوهرية، فهذا يعني أنه لاتوجد إطلاقاً إمكانية لنقل ثقافة شعب إلى ثقافة شعب آخر.
إن عذابات غورتشاكوفتبدأ فقط حين يصبح لديه يقين تام بإستحالة قيام علاقات حقيقية بين الناس، لذا تجده يقوم في البحث عن شريكه الذهني دومينيكو، الذي يعاني من حالة فصام داخلي، والذي يضحي بحياته من أجل البحث عن الخلاص.
الجميع ينظر إلى دومينيكو على أنه مجنون، وربما هذا هو الواقع. إلا أن أسباب جنونه، أحاسيسه وإستجاباته، كلها مألوفة وطبيعية تماماً بالنسبة لغورتشاكوف.
لقد بدت لنا شخصيته، لاسيما أوقات التصوير، قوية ومحسوسة جداً، وقد إستطاع أن يعكس قلق غورتشاكوف بوضوح تام، مجسداً أيضاً إستحالة قيام علاقات حقيقية بين الناس.
لقد إستطاع دومينيكو، وعلى درجة محددة، أن يعبّر عن "الخوف" الذي نشعر به جميعاً، والذي نحن مكرهون على أن نحياه. الخوف الذي نقع تحت هيمنته ونحن بإنتظار زمن مقبل آخر.
الجميع قلقون حول المستقبل، وفيلمنا يتحدث عن هذا القلق وعن "لامبالاتنا".
إنه دعوة إلى السعي لتطوير مسلكنا المألوف، ومع ذلك ورغم تفاقم قلقنا، فإننا لم نصنع شيئاً، نعم، وما أنجزناه هو قليل جداً ويلزمنا متابعة العمل أكثر وأكثر.
إن مساهمتي البسيطة في هذا الأمر هي إنجاز هذا الفيلم الذي يُظهر كيف أن نضال دومينيكو يعنينا جميعاً، ويُظهر أيضاً أنه على صواب حين يتهمنا جميعاً باللامبالاة.
إنه مجنون يتهم الناس بضعفهم، وتضحيته بحياته ما هي إلا محاولة منه لزعزعة المحيطين به، ولدفعهم للإسهام في تغيير الأوضاع.
باخمان: هل تشاطر أنت شخصياً آراء دومينيكو عن العالم ومنهجه في التفكير؟
تاركوفسكي: الجوهري في شخصية دومينيكو ليست آراؤه عن العالم والتي كلفته تل
المزيد