المُخرج السينمائي جون بورمن(١)
(كلّما تعلمّت أكثر كلّما قلّت معرفتي)!
علي كامل / لندن

(كلمة المؤلف)
على الرغم من أنني لم ألتق المخرج البريطاني جون بورمن من قبل إلا أن الممثلين الذين عملوا معه إتفقوا جميعاً على رأي واحد هو أنه الأكثر ألفة ووداً بين جميع من عملوا معهم من المخرجين، وهو حقاً كذلك، فهو يشعرك حالاً بالراحة والإطمئنان.
يبدو بورمن هادئاً بوضوح إلا أنك تحس مع ذلك أن بمقدوره التعامل مع أي وضع مهما كانت صعوبته برفع الكتفين وإبتسامة.
لقد إلتقيت به عام ١٩٩٨ إبان ظهور فيلمه "الجنرال"، وحين حاولت تهنئته على الفيلم خشيت أن يفسر ذلك بطريقة مخطوئة. قلت له: "لو أنني لم أقرأ إسمه في التايتل لظننت أن الفيلم معمول من قبل شاب لايتجاوز عمره العشرين عاماً". بدا مرتبكاً لهذا التعليق. إن ماكنت أعنيه في الواقع هو أنني دهشت حقاً أنه بعد كل هذه السنوات الطويلة من عمله كمخرج سينمائي إلا أنه مازال يُبدي حيوية لعمل فيلم مبتكر ومتجّدد.
بدأ جون برومن عمله كمخرج عام ١٩٦٥ وقد حاول دائماً، وفي بعض الأحيان دون نجاح، وهذه حقيقة، أن يستكشف كل أساليب السينما، بدئاً من فيلمه التجريبي (Point Blank) إلى ملحمته الأوبرالية المنقحة (Excalibur). وبفضل تلك المحادثة التي جرت بيننا بدأت أدرك الآن السبب الذي جعل من نسخته تلك "أسطورة آرثرية" بطريقة ما أكثر غموضاً وأكثر إمتاعاً وتشويقاً من كل التأويلات السينمائية الأخرى.
لقد تمشينا حوالي الساعة تقريباً أحسست فيها أنه كان مستمتعاً وهو يشرح لي بجدية وإنتباه كبيرين الموضوع الرئيسي لعمله، إلا أنه تجهّم فجأة في نهاية اللقاء وقال:"إنتظر إنتظر لحظة. لقد سرقت كل أسراري الصغيرة". بعدها رفع كتفيه وإبتسم متمنياً لي حظاً سعيداً.

***
(النظرية ممتعة وشيقة فقط حين تكون في موضع التطبيق)
لقد تعلمّت الإخراج السينمائي بطريقة طبيعية وتلقائية جداً. لقد إبتدأت ناقداً سينمائياً وأنا في سن الثامنة عشر، أستعرض أفلاماً وأكتب عنها نقداً للصحف، بعدها حصلت على عمل كمونتير متدرب، ومن ثم عملت كمونتير، وأخيراً بدأت أخرج أفلاماً وثائقية لمحطة BBC، وبعد حين أصبحت غير مقتنع بالأفلام الوثائقية وبدأت أعالجها بطريقة أجعل منها أكثر درامية لحين صرت أخرج أعمالاً درامية للتلفزيون وبالتالي للسينما. لهذا السبب أقول، أن تعلمي لهذا الفن كان طبيعياً وتلقائياً حقاً، وماساعدني في كل ذلك هو أنني أخرجت أفلاماً وثائقية كثيرة جداً إستطاعت أن تسلحني بالخبرة والإلمام بأسرار هذه المهنة فضلاً عن أنها منحتني الحرية وكل ذلك قد حدث ضمن مجرى عملية الإخراج ذاتها.
أما الجانب التقني فلم يكن يثير قلقي ومخاوفي مطلقاً، وهذا الشعور كان يتملكني حتى قبل أن أصّور فيلمي الأول. ولم ولن أدخل في تعارض وإشكال مع هذا الموضوع.
أنا أعرف أن الكثير من المخرجين السينمائيين اليوم يذهبون للتدريس في معاهد السينما، لكنني مع ذلك غير مؤمن بهكذا طريقة، لأنني أعتقد أن الإخراج السينمائي هو مهمة تطبيقية أساساً، على الرغم من أن قضية التعليم في المعاهد السينمائية كما أظن كانت
وماتزال هي الطريقة المعمول بها أكثر دائماً. ماأردت قوله بإيجاز، هو أن النظرية شيقة وممتعة بلا شك لكنها ممتعة وشيقة فقط حين تكون في موضع التطبيق، ولقد عرفت من خلال تجربتي مع طلبة السينما مثلاً أنهم غير عمليين تماماً، لاسيما حين يتعلق الأمر بالجانب البراغماتي لفن الإخراج السينمائي. ومع ذلك ساعدت الكثير من المخرجين الشباب في عمل أفلامهم الأولى. فلقد أنتجت
على سبيل المثال الفيلم الأول لنيل جوردان Neil Jordan الذي هو في الواقع عملية تعليمية.
حين تقوم بتهيئة وتحضير فيلم مع مخرج شاب تجد أن الشيء الأكثر أهمية لتعليمه، والذي غالباً مايفشل في تحقيقها حتى المخرجين ذوي الخبرة والممارسة، هو كيفية معرفة قياس زمن الفيلم المكتوب في السيناريو التنفيذي قبل مرحلة التصوير. اليوم نرى الكثير من المخرجين يبدأون عملهم بفيلم طويل جداً، وفي النهاية، إذا كان طول التقطيع الأولي لنسخة الفيلم ثلاث ساعات مثلاً وكان عليك أن تقلل من ذلك الطول ليصبح ساعتان مثلاً فهذا يعني أن ثلث الوقت الذي أنفقته في تصوير الفيلم قد ذهب سدىً، لأنك أنفقته في تصوير مشاهد لم تستخدمها في الفيلم.
مهم دائماً بالطبع أن تصّور مشاهد أكثر بقليل مما هو مدوّن في السيناريو التنفيذي حيث يمكنك أن تحذفها فيما بعد أو تقطعها أو تقصرها في مرحلة المونتاج أو حتى تحذفها نهائياً إذا لم تمنتج. لكنك في كل الأحوال كنت تكذب على نفسك لأنك كنت غير صادق في زعمك معرفة كم سيكون طول الفيلم ولأنك غير قادر على أن تتحمل العودة الى السكربت ثانية وعمل تضحيات.
لعمل ذلك بطريقة صائبة وسليمة، هو أن تقوم بجدولة وتنظيم لقطات الفيلم. فلفترض مثلاً أن لدينا مشهداً هو بحاجة لأربع عشرة لقطة؟ حسناً، هذا يعني أن لدي يومان للتصوير. لكن، هل أن هذا المشهد يستحق ليومين تصوير حقاً؟. إذا كانت الإجابة سلباً عندئذ ماعليك سوى إعادة كتابة المشهد من جديد أو حذفه أصلاً.
بهذه الطريقة تكون قد أخذت بعين الإعتبار الموارد المالية التي تنفقها على الفيلم وكذلك الوقت الذي تهدره والجُهد المخصص لكل مشهد..إلخ.. عندذاك فقط يمكنك الحكم، هل إن ذلك له تلك الأهمية أم لا.

(الفيلم هو عملية إستكشاف)
الإخراج هو عملية تكاد تكون على مقربة من عملية الكتابة حقاً، وكل المخرجين تقريباً يحبذون الكتابة أو المشاركة في كتابة سيناريوهات أفلامهم، لأنك لاتستطيع فصل صياغة وشكل السيناريو عن كتابته. لذا تجد أن معظم المخرجين الجادّين يقومون بتشكيل وصياغة سيناريوهاتهم، أعني أنهم يجلسون مع كتّابهم ويضعون أفكارهم في شكل أو قالب محدد له بنية. وهذا الأمر هو جزء أساسي من عملية الإخراج والذي ينبغي إضافته إلى مجمل عملية التأويل والإستكشاف.
أنا أعمل الفيلم لكي أستكشف. إذا كنت أجهل عن أي شيء يدور الفيلم فإنني بذلك سأواصل العمل عليه بشوق، في حين إذا كنت أعرف تماماً عن أي شيء يدور عندئذ سأفقد الإهتمام به!. لذا فإن متعة عملية الإستكشاف هي التي تحتكم إليّ وكذلك الخطر المتعلق بذلك. أنت تأمل على الدوام بالطبع في أن كل ذلك سيقودك إلى شيء ما جديد حيوي ومبتكر.
بكلمة أخرى، إن اللحظة الوحيدة التي أعرف فيها عن أي شيء يدور الفيلم، هي اللحظة التي أشاهد فيها الفيلم مع الجمهور. وثمة مفاجئات ومفاجئات دائماً.
حين أخرجت فيلم (الإمل والشهرة The hope and Glory) والذي تدور أحداثه عن ذكريات طفولتي لم أكن أعرف، لحين إنتهيت منه، أن الأسطورة الآرثرية التي كانت تستحوذ على تفكيري آنذاك تعني في حقيقة الأمر، أن أفضل صديق لوالدي كان على علاقة حب مع والدتي!. لقد كانوا يشكلون نفس ذلك المثلث المتكون من آرثر، لانسيلوت وغوينيفير، إلا أن ذلك لم يحدث لي لحين إمتلاكي هذه الحقيقة الموضوعية، لحين أصبحت أنا نفسي متفرجاً في القاعة بدلاً من أن أكون ضمن الفيلم.
(الواقعية مقابل الوحشية)
إنني أعمل بطريقة خاصة ويمكنكم القول أنها كلاسية تماماً. فمثلاً أنا لا أحّرك الكاميرا مالم يوجد ثمة هدف وتسويغ لتلك الحركة. وأيضاً لا أقّص اللقطة في المونتاج مالم تكن هناك ضرورة حقاً لذلك، وآمل أن لايفهم من ذلك أنني على الضد من التجريبية أو بعيداً عنها،إلا أن ذلك بالنسبة لي يعمل بطريقة مختلفة. فمثلاً، الفيلم الأكثر تجريبية بالنسبة لي من بين كل أفلامي التي أخرجتها هو على الأرجح فيلم (Leo the Last) والذي إستخدمت فيه نوعاً من تقنية مابعد الحداثة وكان الغرض منها هو جعل المتفرج يدرك حقيقة أن مايراه على الشاشة ليس سوى فيلم، شيء مختلق، خدعة. لقد كان الموضوع ذاته هو الذي يعّلق على الفيلم. ففيلم Leo The Last يبتدأ مع الممثل مارسيللو ماسترياني يقطع الشارع في سيارته وتصاحبه أغنية تقول:"أنت تشبه نجماً سينمائياً".
لم يكن الفيلم ناجحاً بالطبع، بمعنى أنه لم يصل للمتفرج بالطريقة التقليدية والسائدة، ربما بسبب تجريبيته!.
القواعد التي أستخدمها عادة على أية حال، هي تلك التي تعلمتها مبكراً من الأفلام الصامتة. إذا تأملت مثلاً للقطات القريبة جداً (Close-up) واللقطات الموجزة عند غريفيث والطريقة التي إستخدم فيها تلك اللقطات القريبة لغرض توضيح فكرة ما، تستطيع الحكم أن السينما المعاصرة هي على الأغلب سينما غير متقنة تماماً قياساً بما أنجزته السينما آنذاك.
الشيء الأساسي بالنسبة لي فيما يتعلق بالقواعد البصرية هو العلاقة المكانية بين الشخصيات. فإذا كانت الشخصيات قريبة من بعضها وجدانياً، ففي هذه الحالة سأجعلها قريبة من بعضها فيزيائياً أيضاً. أما إذا كانت بعيدة عن بعضها عاطفياً فسأباعد بينها حّد الإنفصال. لهذا السبب أحب إستخدام السينما سكوب(٢) لأنها تمنحني حرية العمل وسعة المكان بين الممثلين.
في فيلم (الجنرال) مثلاً ستلاحظ أن مشهد السرقة، الذي يُنجز اليوم عبر الكثير من القطع السريع في اللقطات، كنا قد عالجناه بلقطات طويلة وقد كان الحدث كله يجري في إطار اللقطة ذاتها. طريقتنا تلك هي على التضاد مما أسميه أنابـ (الوحشية الجديدة)
في السينما، والتي هي ليست سوى شكل من أشكال السذاجة، لأن من يمثلها أناس هم حسب ظني، ليس لديهم فهم لتأريخ السينما. إنها نوع من المونتاج التلفزيوني الموسيقي ليس إلا، حيث كلما كانت الفكرة الأساسية مربكة وغير سوية كانت أكثر إثارة وتشويق. وأنت تراها اليوم تسري كالسرطان في جسد السينما السائدة أكثر فأكثر.
حين تنظر إلى فيلم مثل Armageddon، تظهر أمامك كل الأخطاء التقنية المحظورة في السينما الكلاسية، ككسر الخط الوهمي (cross the line) مثلاً أو الكاميرا وهي تتقافز من مكان إلى آخر، وسواها. إنها طريقة تستجدي الإثارة والتشويق بشكل زائف وهي تفتقد إلى الأساس. إنها أشبه بعجوز يحاول إرتداء ثياب شاب يافع، وهي أشياء تثير الأسى في النفس حقاً.
(بعث الحياة في المشهد السينمائي)
إن هدفي الأساسي حين أقوم بمعالجة مشهد سينمائي ما هو أن أبعث فيه الحياة بالقدر الممكن. ومن أجل تحقيق ذلك فإن الشيء الأول الذي أقوم به هو التدريب على ذلك المشهد، أي عمل البروفة. ليس في يوم التصوير بالطبع، إنما قبل ذلك.
يتمحور عملي في هذه المرحلة فقط حول سبر وإستكشاف محتوى المشهد، وليس تحديد حركات الممثلين في المكان، وهذا مايسهم في مساعدة الممثلين على إرتجال مايحدث حقاً قبل المشهد وبعده.
وحين أنتقل إلى موقع العمل لغرض التصوير الفعلي والذي أبدأه عادة في الصباح، أنجز اللقطة الأولى للمشهد وذلك بأن أحدّد موقع الكاميرا وتكوين اللقطة، ووضع علامات وإشارات لحركة الممثلين فيما هم في غرفة الماكياج.
ومن أجل عمل تكوينات اللقطة عادة ما أستخدم جهاز قديم يدعى "Mitchell sidefinder" يكون مكانه عادة إلى جانب الكاميرات. جهاز كبير عليك أن ترفعه أمامك، فبدلاً من أن تضع عينك في شيء ما كالمنظار، تتراجع قليلاً عن هذا الجهاز حيث يمكنك عندئذ من خلاله رؤية تكوين اللقطة وهي أشبه بصورة أو إطار صورة.
أما قرار تحديد موضع الكاميرا فهو عملية منطقية جداً تماماً مثلما هي وجهة النظر مهمة جداً، وهي عملية حدسية في ذات الوقت.
حين إبتدأتْ السينما كان مجرى عملية إنجاز الفيلم سهل جداً بالطبع. كانت الكاميرات توضع في مكان يشبه تماماً وضع المتفرج وهو يجلس في قاعة المسرح، وليس هناك سوى لقطة ثابتة طويلة تصور الحدث الذي يجري على خشبة المسرح. من هنا يمكنك أن تتخيل ماأحدثه "غريفيث" حين إبتدأ يحرّك الكاميرا، تلك الكاميرا التي أصبحت فيما بعد أشبه بعين الخالق، نظرة كلية المعرفة بوسعها التحرك في كل مكان. وهذا هو ماأعطى السينما بعداً آخر تماماً. فقد رفعها كما أعتقد إلى مصاف الحلم.
المزيد