بورتريه
كتبهامحمد بلوش ، في 6 مارس 2008 الساعة: 23:11 م
عوالم ستيفن سبيلبيرغ السينمائية:
الحس الإنساني النابع من تأثير افتقاد الأب مبكرا

محمد بلوش /
جريدة القدس العربي
أتذكر جيدا كيف ان المتتبعين للحقل السينمائي ، على مستوى الافلام المنتجة، قد انشغلوا وباهتمام كبير خلال سنوات الثمانينيات بفيلم " إي تي" ، الى درجة ان الاقتصاد الامريكي والاوروبي كانا قناصين لذلك الانشغال، بحيث امتلأت الاسواق بالدمى والالعاب الالكترونية، المستوحاة أصلا من شخوص ذلك الفيلم، ذي البعدين الانساني والعجائبي في نفس الوقت.
كان الرجل الذي أدار الكاميرا، عبر حركاتها المختلفة، قصد انجاز ذلك الفيلم الذائع الصيت الى اليوم، هو نفسه الرجل الذي أثارت أجزاء فيلمه" الفك المفترس" رعب المشاهدين، وتلاحق نبضات قلوبهم، وهم يلاحقون اطراف الدراما المعروضة امامهم على الشاشة الكبرى، وفق انفعالات متباينة، تحكم فيها نوع الاستعداد النفسي للمتلقي..
ولد " ستيفن سبيلبيرغ" في الثامن عشرمن ديسمبر عام 1946 ، وأنجز أول فيلم له حول الحرب العالمية الثانية وعمره لايتجاوز 14 سنة، مستعملا شريطا من مقاس 8 ملم، وبذلك يكون فيلمه " الهروب نحو المجهول" اولى بدايات علاقته مع السينما، علاقة ستتطور بالتدريج، لتشمل اهتمامات " سبيلبيرغ": كتابة السيناريو، الاخراج، الانتاج…
لذلك، لانجد اية غرابة تذكر، في اطار ولوجه لعالم الاخراج تحديدا في سن مبكرة، إذ صور عدة افلام قصيرة وهو دون الخامسة والعشرين، قبل ان يقتحم أغوار الافلام المطولة، من خلال فيلمه "دوييل" الذي اخرجه سنة 1972 .
إن الملاحظة الاولية الممكن الإدلاء بها في حق ريبرتوار سبيلبيرغ، تكمن أساسا في ولعه الواضح بإنجاز تتمة او اجزاء لاحقة لجل افلامه، ومن ذلك " إنديانا دجونز"،" حكايات عجائبية"،" الفك المفترس" و" الحديقة الجوراسية"، في حين ترتبط الملاحظة الثانية في هيمنة الطابع الانساني العميق على جل أفلامه، طابع ربما قلنا بأن في حياة " سبيلبيرغ" الشخصية ما يبرره كنزوع ملحوظ، وهنا نلمح طبعا لفقدان " ستيفن" المبكر للأب، وبالتالي تحضر هذه التيمة كثيرا في افلامه، خاصة " أي تي"،" امبراطورية الشمس"، " ذكاء اصطناعي"، مع ملاحظة التركيز الكبير على مجهود الاب في حماية ابناءه في فيلمه " حرب العوالم"، بحيث ان ابداعية سبيلبيرج لاتكمن في التركيز على احداث الفيلم في حد ذاتها، بقدرما يسعى الى تصوير درجات الخوف والحيرة الانسانية تجاه مواقف ماثلة، وهنا يمكن ان نلاحظ مثلا كيف ان حضور " الديناصورات" في فيلمه " الحديقة الجوراسية" لم يكن مركزا عليه اكثر، مقارنة مع المشاهد التي توضح آثار وتجليات الرعب الذي تسببت فيه، بل يمكن ان نقول وبكثير من الاطمئنان على صحة الاستنتاج، ان احداث 11 سبتمبر أثرت كثيرا على هذا المخرج، ومنها اقتبس مشهد الرؤية الجماعية في اتجاه الاعلى، والتي نلاحظها بتوظيف مباشر في احدى مشاهد " حرب العوالم".

تجدر الاشارة كذلك ، الى صعوبة إجراء مفاضلة ما بين افلام " سبيلبيرغ"، لأنها تتكامل في بؤرتها على مستوى التيمات المعالجة، والمتسمة كما اشرنا بانطلاقها من حس انساني مرهف، اضافة إلى كون المجهود التقني الذي يبذله هذا المخرج يكاد يصبح تنويعا لأسلوب ذي ايقاع شبه موحد، مما يجعل افلامه تبدو وكأنها نسخ متعددة لمنطلق رئيسي ثابت، تتم معالجته من زوايا متعددة. لذلك، وباستثناء بعض الافلام التي عمد فيها المخرج الى ادماج صور افتراضية، موظفا الامكانيات الهائلة التي اصبح الكمبيوتر يتيحها لحل بعض المعضلات التقنية المرتبطة بالخصوص بالتصوير، فإن باقي الادوات التقنية التي يستعملها ، تتسم عادة بالنمطية والبطء على مستوى ايقاع التطوير والتجديد..
ومن الظواهر التي وسمت افلام " سبيلبيرغ" كذلك، ذلك الاهتمام الشديد بعوالم الشباب والصغار، فهو من المخرجين القلائل الذين اسندوا ادوارا بطولية مطلقة لممثلين صغار سنا، وهنا نستحضر على سبيل التمثيل لا الحصر، قيام الطفل " كريتيان بايل" بالدور الرئيسي في فيلم " امبراطورية الشمس"، وقبله جسد الطفل " هنري توماس" البطولة في " إي.تي"، لينضاف اليهما " هايلي جويل أوسنت" بطل " ذكاء اصطناعي" ، دون تجاهل الدور الكبير المسند للطفلين " جوستان شاتوين" و" داكوتا فاينينغ" في " حرب العوالم"..وذلك الاهتمام لن نحس بضموره المؤقت إلا عبر مشاهد " قائمة تشاندلر" و " ميونيخ"، بحيث ان القضايا المثارة فيهما لا تبرر تقديم رؤية الصغار لعوالم الكبار، ونفس الحكم ينطبق على " أميستايد"..
لقد أنهى " سبيلبيرغ" تصوير فيلمه " أميستايد" مسندا بطولته للمثل ذي الاصول الافريقية " دجيمون هونسو"، والقادم الى باريس في سن الثالثة عشرة، حيث سيعيش بداية اغتراب قاسية، منقبا في القمامة عن طعام، قبل أن يمارس " عرض الازياء" لدى الفرنسي الشهير " موكلير"، وبالتالي، الرحيل بعد ذلك نحو الولايات المتحدة الامريكية، ليشارك كمجرد كومبارس في بعض الاغاني المصورة لكل من " مادونا" و" باولا عبدول"، منتزعا دورا لابأس به في فيلم " ستارجايت".

تظهر اللقطات الاولى لفيلم " اميستايد"، ليلة بدون نهاية، وعينا كبيرة تستحوذ على الشاشة في لقطة كبيرة جدا، الظلمة تحيط بالمكان، تخترقها ومضات البرق من حين لآخر، ثم تتراجع الكاميرا لتظهر صورة زنجي عار، يحاول بأظافره ان يفك قيوده، مستعينا في ذلك بقطعة حديدية صغيرة، وهو مشهد يكفي لتوجيه أفق انتظار المتلقي نحو التعاطف مع قضية الحرية مقابل الرق والعبودية.
لقد جسد " دجيمون هونسو" دور متزعم لإحدى ثورات العبيد، والتي دارت أحداثها سنة 1839 ، على متن السفينة الاسبانية " أميستايد" في عرض السواحل الكوبية، تمرد انتهى بالفشل بعد صراعات وانقسامات قدمت في قالب درامي مبهر، ليكون ذلك العمل هو الثاني من نوعه لسبيلبيرغ ، الذي يعالج تيمة الاسترقاق، بعد
. COULEUR POURPREفيلمه السابق
بدأت قاعات العرض السينمائية تعرض " اميستايد"، في ظرفية هيمنت فيها افلام الكارتون المطولة، كفيلم
" الملك الاسد" و" مولان"، بالاضافة الى افلام روائية اكتسحت دور العرض ، افلام من حجم " تيتانيك" لجايمس كامرون، " محامي الشيطان " لتايلور هاكفورد، " أرماكيدون" لميكائيل باي،" كودزيلا" لرونالد إيمريتش.. مما جعل " اميستايد" يعاني تجاهلا واضحا، سواء من لدن الجمهور او النقاد، وربما يعود ذلك الى بطء وتيرة سرده وايقاعه، واعتماده المكثف على تقنية الصوت الخارجي، رغم حمولة الفيلم الدلالية المهمة .
كان على " سبيلبيرغ" اعلان قبول الدخول في منافسة صديق الامس " زيميكيس"/ سبق ان اشتركا معا في اخراج اجزاء من فيلم " العودة نحو المستقبل"/ ، خاصة وأن هذا الاخير استعان لتوه بالممثلة المتألقة سابقا في افلام لها حضورها القوي ، كفيلم " صمت الحملان" و" المتهمون"..لأداء دور البطولة في فيلم " الاتصال
الغامض"، والذي تألقت فيه " جودي فوستر" كعادتها. في نفس الوقت، كان على " سبيلبيرغ" ان ينافس موجة من المخرجين الآخرين ، الذين وقعوا افلاما جيدة، كرونالد ايمريتش، إمير كوستوريتشا، باري ليفنسون، روبير ريدفورد، وودي آلن.. والمنافسة هنا لاتعني دائما مقياس جودة المواضيع المثارة أو فرادتها، بقدرما ترتبط بتطوير التقنيات السينمائية والمؤثرات الخاصة، او بعبارة أوضح، تكمن روح التنافس في محاولة انتزاع اعلى نسب المداخيل المحققة في ظرفية محدودة زمنيا.
لذلك، إلتجأ " ستيفن" للسيناريست " روبير رودا"، مكلفا إياه باعداد سيناريو يتناول رحلة " كابتن" في الحربية،صحبة احد مرافقيه، وراء الحدود ، للبحث عن جندي مفقود يدعى " رايان". وبالفعل، عاد سبيلبيرغ من جديد الى الواجهة بعدما نجح فيلمه " انقاذ الجندي رايان " في اثارة فضول الجمهور والنقاد معا، متربعا بذلك على عرش ايرادات الافلام المعروضة في قاعات اوروبية وامريكية.
واذا كان المجال الانساني هو محور الفيلم ذاك، فإننا لايجب ان ننس بأن إسناد دور البطولة فيه للمثل " توم هانكس" الذي حقق لتوه مجدا سينمائيا مهما بفضل دوره المتميز في " فوريست كامب"،لعب دورا كبيرا في نجاح الفيلم ، بحيث انه يمكن القول بأن تجربة " انقاذ الجندي رايان" كانت وراء تفكير " سبيلبيرغ" في البحث من حين لآخر عن نجوم لتجسيد بعض ادوار افلامه، وهو الذي في الاصل لايسن سياسة الاعتماد على نجوم التمثيل السينمائي المشهورين كثيرا في افلامه، وسنلاحظ انه نادرا ما يقوم بهذا الاجراء، فآخر افلامه بدوره يعكس ذلك الجنوح نحو توظيف ممثل كبير، وهو ما قام به " توم كروز" تماما في " حرب العوالم".
لتحميل المقال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نجوم سينما | السمات:نجوم سينما
دوّن الإدراج

























