كتبهامحمد بلوش ، في 27 مايو 2009 الساعة: 13:06 م
‘كباريه’:
المجتمع امام الاستسلام للغيبوبة أو الانقياد وراء الشهوات
كمال القاضي/ القدس العربي /27ماي 2009
ليست المرة الأولى التي يتم فيها تناول واقع الكباريهات وحياة الليل، فقد كان هذا العالم هو الأكثر إغراء بين عوالم الإبداع والتصوير السينمائي وانما يأتي الفارق والمختلف في أن التركيز في التجارب الأولى لم يكن على الكباريه وشخصياته، بل جاء في معظم الأفلام مسرحا للأحداث المرتبطة عادة بالجريمة سواء القتل أو المخدرات او السرقة او غير ذلك، وهو ما يجعل لتجربة السيناريست أحمد عبدالله والمخرج سامح عبدالعزيز خصوصية تستحق الاهتمام والتدقيق لكونها الأوضح في رصد عالم ‘الكباريه’ والليل بشكل هو أقرب للبانوراما التراجيدية عبر رؤية متكاملة نرى فيها هذا الواقع من جميع الزوايا، حيث ‘الكباريه’ هو عنوان الفيلم والساحة التي تتحرك فيها كل الشخصيات بغير رقابة أو حذر، أي أن الجميع فيها يبدو عاريا تماما ويتصرف وفق فطرته الشريدة أو الطيبة، ومن ثم تظهر التناقضات وتتكشف السمات ويكون التحليل سهلا ويسيرا، طالما أن ما في القاع بات مكشوفا على السطح، فمن السكر والبوح والاعتراف، الى التمسك بالنشاط الليلي كعمل مشروع يدر ربحا وفيرا لا تقارن نسبته بأي أرباح أخرى، مما يجعل صاحب الكباريه يمارس دوره دون أدنى إحساس بالذنب ويدير معاركه الكبيرة والصغيرة بقلب بارد وأعصاب هادئة، فمالك الكباريه ومديره صلاح عبدالله قد ورث هذه المملكة عن والده واستولى على حق شقيقه ماجد الكدواني بالقوة والجبروت وأصبح هو ملك المملكة يجلس وحده على عرشها يحميه (قبضاي) ‘بلطجي’ هو بطل الملاكمة السابق محمد لطفي الملقب في الفيلم بفرعون نسبة الى قوته المفرطة ومتانة بنيانه، ويضع صلاح عبدالله أعرافا وقوانين خاصة تحكم العمل داخل منطقة نفوذه ويحرك الشخصيات من وراء الستار مثل فنان محترف يحرك عرائس الماريونيت فهو يرقب الداخل والخارج وينظم عمليات الابتزاز التي تتم من قبل الراقصات والفتيات الساقطات للزبائن السكارى الهاربين من جحيم الحياة، وفي نفس الوقت يتدخل لفض الاشتباكات إذا ما استدعى الامر وغالبا ما يحسم المعركة لصالح الزبون الذي يعتبره الرصيد الحقيقي لعملية الربح وينظر إليه بوصفه بنك متحرك لا يجب أن يفسد علاقته به تحت أي ظرف، هذا الدرس يلقنه للعاملين معه ويؤكد عليه باستمرار حتى مع شقيقه المحال الى التقاعد بقرار منه والمحددة إقامته في دورة المياه كي لا يؤذي بمنظره مشاعر المترددين على المكــــان وإزاء القرار السلطوي يكتفي ماجد الكدواني بالتلصص كلما سنحت الفرصة على حركة النساء داخل دورات المياه الحريمي ويمارس تمرده بين الحين والآخر ويعلن عصيانه على شقيقه الاكبر، لكن سرعان ما يلزم موقعه وينصاع للأوامر العليا شأنه شأن بقية العاملين مثل الخدم ومطربي العلب الليلة ومسؤولي الترفيه واصطياد الزبائن الاثرياء الذين يمثلهم مجموعة من الكومبارس بالزي الخليجي والفنانة القديرة هالة فاخر التي تقضي ساعات برفقة خالد الصاوي، مطرب الكباريه المعتمد، داخل هذه الدائرة المغلقة على مجموعة من المنتفعين والفاسدين تدور الصراعات وتحاك المؤامرات على موائد الشرب والمزة وتحت تأثير الدخان الأزرق الذي يمثل ضبابية الحياة داخل الكباريه ويصر صاحبه على تمثيل دور آخر مغاير لطبيعته ونشاطه إمعانا في التعمية والتحايل، حيث يمسك بيـــــده مسبحة ويرتدي جلبابا أبيض ويعقد النية على زيارة بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، فيما يشبه الفصام في الشخصية أو بمعنى أدق يؤكد إزدواجيته المرضية، على مرأى ومسمع من رجاله المقربين، أحمد بدير ومحمد الصاوي وجومانا مراد ودنيا سمير غانم وعلاء مرسي وإدوارد، فهؤلاء هم البطانة والجوقة وأدوات تحريك المكان وأصحاب الفضل في تفوقه على الكباريهات المنافسة.
إذ يقدم بمساعدتهم خدمة متميزة ومن خلالهم نتمسك بالمثير والمدهش ونتعاطف مع بعضهم ونلعن بعضهم أحيانا، حيث لكل منهم قصة وحدوتة، علاء مرسي يثير الشفقة بسذاجته وظروفه الاجتماعية التي أجبرته على الركوع كل ليلة تحت اقدام الراقصة ليجمع النقطة ويأخذ نسبته كي يوفر لابنته مصروفات المدرسة وزوجته مي كساب احتياجات المنزل وكذلك أحمد بدير الرجل الوقور الذي يؤدي الصلاة في ركن هاديء من المكان الموبوء لأنه يشعر بالذنب جراء إهمال فرائض الله وعباداته ويسعى لتعويض ذلك بالصلاة وإقناع نفسه بانه مضطر قبل أن يتخذ قرار التوبة على أثر نصيحة من فتحي عبد الوهاب، الشاب المتدين المغرر به والموفود من قبل محمود الجندي أمير الجماعة الدينية لتفجير المكان، غير أن هناك شخصية أخرى سلط عليها السيناريست أحمد عبد الله الضوء واستغلها المخرج سامح عبد العزيز في استعطاف المشاهد لعبت دورها جومانا مراد، حيث مثلت نموذج الفتاة المقهورة التي تسعى وراء لقمة العيش لقاء تحقيق حلم والدتها المريضة في أن تظفر بحج بيت الله الحرام قبل الموت ولكنها لم تتمكن من تحقيق حلم الأم إلا في الوقت الضائع، حيث تأتي التأشيرة في تزامن دقيق مع لحظة الوفاة.
ايضا يتم تفعيل صراع المطربين المتنافسين، خالد الصاوي وإدوارد في شجار بينهما ينتهي بفوز الأخير وصعوده المسرح واستقطابه للرفيقة التي كانت مصدر سعادة المطرب الأول ‘الصاوي’، وهي إشارة الى هزيمة كل الشخصيات، الواعية والمغيبة وانتصار الإرهاب بعد فشل الشاب المتطرف فتحي عبد الوهاب في إقناع أمير الجماعة محمود الجندي بإعمال منهج الحوار وتطبيقه قبل الشروع في استخدام العنف وتفجير الكباريه بالكامل ليتحول في لحظة الى خليط من الدم واللحم والرماد بعد أن نفذ شخص آخر العملية متجاهلا صوت العقل ومطلقا حكم الإعدام على الجميع، لنجد أنفسنا أمام جريمتين، جريمة الاستسلام للغيبوبة والإنقياد وراء الشهوات والملذات، وجريمة الجهل والقتل العمد باسم الدين دون منح فرصة أخيرة للعقل في أن يتولى دوره ويؤدي مهمته في إقناع الخارجين على القانون والشرع بالهداية والعودة الى رشدهم وصوابهم وتجنب شلالات الدم والمحارق التي أخذت الأبرياء بذنب الآثمين.
‘كباريه’، فيلم ينجح كاتبه ومخرجه وأبطاله في الاقتراب من مواطن المرض بجسم المجتمع المصري ورسم صور حية تتجسد فيها مظاهر التناقض والتضاد والشيزوفرينيا والتوازي بين الخير والشر داخل الشخصية الواحدة، والذي بموجبه ترتكب كل الجرائم وتقيد ضد مجهول فيما يعرف الجميع أن الجاني معلوم بالضرورة سنراه ونحدد ملامحه لو دققنا النظر مليا داخل اللوحة وداخل أنفسنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بانوراما | دوّن الإدراج


























