كتبهامحمد بلوش ، في 21 مايو 2009 الساعة: 20:07 م

السينما المغربية بين التبعية و إثبات الذات

 أسماء سنيم/موقع جريدة الراي المغربية

 

تمكن القطاع السينمائي في بلدنا من تجاوز العوائق التي تحول دون تطوره سواء فيالجوانب التقنية منها أو الإبداعية أو تلك التي تهم الجانب الإعلاميالترويجي، وذلك بغرض تحقيق التميز حتى يثبت هذا القطاع مصداقيته، من خلالتقديم الثقافة والهوية المغربيتين
بصورة تعكس ما يزخر به بلدنا من موروث ثقافي يمثل وجهه الحقيقي. لكن الظاهر أن المشاكل "المادية" تطغى على مجموع ما يقدمه المشتغلون بالميدان من مبررات، إذ يرجع أغلب المخرجين والممثلين ورجالات السينما التعثر الذي تعرفه السينما المغربية إلى ضعف الميزانية المخصصة للإبداع السينمائي، لكن الواقع قد يأخذنا أبعد من ذلك، لنلمس مشكلا أكثر عمقا وأكثر إقناعا وهو التباعد الحاصل بين فكر ورؤية المبدع وذوق الجمهور المغربي الذي تأطر في مختبرات السينما المصرية والهوليودية، خصوصا وأن سينماه، ولأسباب تاريخية وثقافية قد تعثرت في بداياتها مما حال، دون ولادة تيار سينمائي ذي صبغة مغربية يتواصل مع جمهوره الخاص الذي اعتاد تذوق السينماءات الأخرى، وبالتالي عدم توفير الإمكانيات اللازمة لتشكيل ذوقه الفني الخاص.
لقد ظلت بصمة المستعمر تلاحق الكيان الثقافي المغربي حتى العصر الحالي وتطبع جوهره، الشيء الذي أضعف ذاتيته، ويتجلى ذلك بوضوح بين صفوف مبدعينا المغاربة، خصوصا ذوي التوجه السينمائي منهم، والذين تبنوا لأسباب متباينة التوجه الغربي واللغة الأجنبية، فكانت نتيجة ذلك إنتاج أفلام مغربية شبه بورنوغرافية، لكنها في مستويات ما قبل الصنع ليست كذلك، فعلى مستوى السيناريو فإنها تكتب باللغة الفرنسية، ليكون أول تحقق للفيلم المغربي فرنسي البصمة، ومن جهة أخرى يعرض بعض المخرجين أفلامهم بنفس اللغة مع أن المستهدف بتلقيها مغربي اللهجة. إن الهدف من أي عملية تواصل بين طرفين يكمن في تمرير خطاب بطريقة تنسجم و الهدف المتوخى من هذه العملية، والمتلقي المغربي والحالة هاته لا يمكنه فك منظومة العلامات داخل هذه النوعية من الأفلام إلا إذا كانت ذخيرته المعرفية تؤهله لفك شفرات الفيلم،  ليظل هذا النمط السينمائي منحصرا في سياق نخبوي لا يمكنه أن يؤثر في جمهور المتلقين.
لم تنحصر اللغة الفرنسية في المستوى المكتوب ـ السيناريوـ أو في الفيلم محققا على الشاشة، بل تمكنت هيمنتها من الوصول إلى المستوى التداولي بين سينمائيينا المغاربة إذ منهم من لا يتواصل ولا يتعامل إلا باللغة الأجنبية لتصبح الفرنسية لغة التواصل المتعارف عليها داخل هذا القطاع، لتعارض بذلك لغة المتلقي المفترض بكل مميزاتها واستعاراتها، مما يصعب عملية نقل تجربة معينة إلى الآخرين وتنظيمها وفقا لقوانين تمكن من إيصالها ـ بشكل لائق ـ إلى المشاهد المغربي.
لقد جعلت مخلفات الغزو الأجنبي من السينما استنساخا للتفكير الغربي، ومجرد استهلاك لصور الآخرين، وهذا ما يسجل تعثرا في عملية التواصل بين الجمهور المشبع بالسينماءات الأخرى من جهة، وبين المهنيين ذوي التكوين الغربي الذين تشبعوا بالثقافة الأوروبية خصوصا، وتأثروا بتقنياتها وجمالياتها، فاكتسبوا وعيا جماليا مرتبطا أساسا بذلك الوعي السائد في البلدان الأجنبية التي تعلموا وتمرسوا فيها، بل وفكروا بمفاهيمها، ومن الطبيعي أن يخلق هذا الأمر نوعا من التنميط الثقافي الذي برزت خطورته وسلبياته على هويتنا الثقافية السينمائية وذلك نتيجة تقبل سينمائيينا لهذا الغزو الثقافي بكل سهولة ويسر، وبالتالي إنتاج نمط ثقافي وفق إرادة الطرف المهيمن ـ هو الغرب ـ الذي تمكن من مخيلة مبدعينا وسيطر على توجههم الجمالي للسينما من خلال قنوات مختلفة، منها ما هو تقني أو علمي أو معلوماتي…، مما أدى إلى حدوث انسلاخ عن أنفسهم أولا ثم عن جمهورهم، هذه التبعية الفكرية للغرب خلقت مفارقة تكمن في اقتداء هذه النخبة بالغرب مقابل جمهور تتلمذ على يد السينماءات التي ألفها. ووسط هذا التناقض الحاصل داخل مناخنا السينمائي يصعب على المشاهد رؤية صورته الحقيقية على الشاشة. لأنه في اختلاف الوعي الجمالي اتجاه موضوعة السينما بين جمهور متذوق للسينما المصرية وسينمائيين متأثرين بالتوجهات الفكرية والجمالية الغربية، يتشكل العائق أمام تواصل الطرفين، ناهيك على أن الثقافة السينمائية في حد ذاتها منتوج غربي مستورد عن طريق الاستعمار الفرنسي الذي اصطحب غزوا ثقافيا للعقول تسلل إلى سينمانا بشكل منطقي، وقبله مبدعونا لاقتناعهم بأنه شكل من أشكال التكوين والوعي والاستقلالية، بل أرقى أشكال المثاقفة، ويبررون موقفهم هذا بكونه فرصة لتلاقح المعارف وبدعوى تعزيز التواصل بين الحضارات الإنسانية والعلاقات الثقافية بين الشعوب و تبني اتجاه التبعية للحضارة الغربية.
لقد نهل سينمائيونا المغاربة من الثقافة الغربية المعرفة والتقنية السينمائية الشيء الكثير، فنتج عن ذلك تكوين رؤية وحس جمالي خاص مختلف عن جمهورهم، يحدث هذا في ظل المحاولات التي نهجها البعض منهم للربط في فترة معينة بين ما هو قومي عربي، في مبادرة لتأكيد الهوية الثقافية وإثرائها، وتصحيح صورة الشخصية المغربية التي كانت تقدم في مرحلة السينما الاستعمارية بشكل مهين، والتعبير عن ذاتها بشكل مشرف، أمام الجمهور المحلي أولا والعالمي ثانيا، من خلال مقاربة مواضيع مستقاة من الواقع المغربي، ووضعها في قالب بصري محكم.
وهكذا، وبين جذب الغرب وإثبات الذات لا يمكن إنكار المجهودات المبذولة لمخرجين وشموا بأعمالهم تاريخ السينما المغربية من قبيل: "حلاق درب الفقراء" لمحمد الركاب و" باديس" لمحمد عبد الرحمن التازي، بالإضافة إلى بعض الأعمال التي تحمل هموما سياسية واجتماعية، وجرأة في المواضيع المقتبسة، لخلق نهضة سينمائية مغربية، بعيدا عن مخلفات زمن كانت من أهم مخططاته استعمار العقل وطمس للشخصية وقطع للانتماء وبالتالي إضعاف الولاء للذات ولهويتنا الثقافية المغربية.
 لقد اصطدمت السينما المغربية بالكثير من الحواجز، وتطلب منها وقتا ليس باليسير من أجل الحديث عن سينما مغربية، سينما شعبية تطالب بالهوية وانتعاش هذا القطاع، سواء على مستوى الكم أو على مستوى الموضوعات التي تطرحها في محاولة لمدها بنفس جديد، مواكب لسيرورة المجتمع، ولعل الأفلام التي واكبت تيمة سنوات الرصاص أو تلك التي نبشت في التاريخ والمجتمع المغربي، تسير في اتجاه جاد لطرح قضايا هذا الواقع، وتدشين موجة سينمائية جديدة تتميز بمشروع جمالي وثقافي مغربي. وهذا مؤشر إيجابي في مسيرة هذا القطاع، مما سمح بظهور نمط سينمائي مستقل يفرض نفسه على المستويين الكمي والنوعي، وهذا ما خول لبعض الأفلام إمكانيات أكبر لفرض حضورها وبشكل قوي في المهرجانات الوطنية والدولية، وهذا يبشر بمستقبل سينما مغربية تفكر بخصوصية الإنسان المغربي.
 

عدد 5 . من 27 يوليوز إلى 02 غشت 2007

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بانوراما |   دوّن الإدراج  

عفواً، التعليقات ممنوعة لهذا الإدراج

نحب الحياة، اذن نحب السينما



المدرسة العربية للسينما والتلفزيون

www.arabfilmtvschool.edu.eg