حوار
كتبهامحمد بلوش ، في 14 ديسمبر 2008 الساعة: 21:45 م
تاركوفسكي في المرآة)
محادثة بين أندريه تاركوفسكي و تونينو غوييرا..*
1/2
ترجمة وتقديم : علي كامل
(يتملكني حزن عميق وصادق في كل مرّة أفكر فيها بأندريه. لقد أحببناه كثيراً، ونحن جميعاً ننحني أمامـه…)
مايكل أنجلو إنطونيوني

إن هذه المحادثة الشيقة الهامة والحميمة، هي ثمرة لأحدى زيارات الشاعر والكاتب الروائي والسيناريست الأيطالي الشهير تونينو غوييرا إلى موسكو عام 1979، حيث كان حينها منهمك بتأليف كتاب عن موسكو بعنوان: "مرشد لموسكو الحبيبة" في ذات الوقت كان غوييرا يعمل سوية مع المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي على التحضير لفيلم "رحلة إلى ايطاليا" لحساب القناة الثانية في التلفزيون الأيطالي RAI ، والذي سيتغير إسمه في ما بعد إلى "نوستالجيا" أو "الحنين".
كان تاركوفسكي يومها منهمكاً في التقطيع والمونتاج النهائي لفيلمه "الدليل أو STALKER"، وقد كانت فرصة ثمينة لغوييرا أن يحضر مرحلة مونتاج الفيلم، بل يكاد يكون من القلائل جداً الذين ظفروا بمثل هذه الفرصة لحضور مرحلة مونتاج فيلم لمخرج مثل تاركوفسكي..
لقد كان غوييرا معجباً جداً بالفيلم، وكان قد جهر برأيه فوراً دون صبر لتاركوفسكي قائلاً:
"هذه تحفة فنية فريدة يا أندريه".
وقد تحّدث هذان المبدعان طويلاً وأخذت تلك المحادثة مسارات أخرى تجاوزت الفيلم المذكور، لتصبح مايشبه المكاشفات الفلسفية والجمالية لسر هذه المهنة الساحرة "السينما" بين اثنين من كبار صانعيها ومبدعيها في العالم.
كانت تلك المحادثة قد سجلت يومها وبالصدفة على شريط كاسيت، في غرفة الأستقبال في الشقة التي يسكنها تاركوفسكي هو وزوجته وولده الصغير أندريوشا، في الطابق الثالث عشر من بناية ضخمة وسط سلسلة من مبان ٍ كبيرة حطت على تلال لينين في موسكو..
كان غوييرا قد تعرف على تاركوفسكي منذ أواسط السبعينات حين عرض الأخير فيلمه "المرآة" لأول مرة في سنت ـ فنسنت في ايطاليا. بعدها وفي عام 1977 كان تاركوفسكي أحد شهود زفاف غوييرا في موسكو، وكان معه شاهداً آخر، هو مايكل أنجلو انطونيوني، وقد تحدث غوييرا فيما بعد عن هذا اللقاء الحميم:
(في حفلة زفافي التي أقمتها في موسكو عام 1977 كان تاركوفسكي وانتونيوني هما الشاهدان على زفافي. كان تاركوفسكي يحمل بيده كاميرا بولورويد ويتنقل وسط المكان سعيداً ومبتهجاً كالطفل بهذه الآلة التي اكتشفها فقط منذ وقت قريب، كذلك انتونيوني فهو الآخر كان يحمل كاميرا بولورويد وقد صورا معاً صوراً مدهشة حقاً.
أتذكر أننا قمنا برحلة استكشاف لمواقع تصوير في أوزبكستان لتصوير فيلم كان انطونيوني يفكر بأخراجه، والذي لم يصور فيما بعد مطلقاً للأسف الشديد.
وفي أثناء كشف مواقع التصوير شاهدنا ثلاث شيوخ مسلمين، فالتقط أنتونيوني لهم صورة بكاميرته البولورويد، وقدمها هدية لهم.
حدق الشيخ الأكبر في الصورة وتأملها للحظات ثم تطلع بنا وأعادها ثانية لأنتونيوني قائلاً:
"لماذا توقف الزمن؟" … ثم غادرنا فاغري الفم مندهشين عاجزين عن الأجابة على هذا الرفض الفطن والغريب.
لقد تأمل تاركوفسكي تلك الجملة كثيراً وفكر بهذا المرور السريع للزمن، وكان يريد حقاً أن يوقفه، حتى ولو بهذه الومضة السريعة لكاميرا البولورويد.).

لقد نشأت في ما بعد صداقة عائلية حميمة بين الأثنين وكان غوييرا قد فتح لتاركوفسكي الطريق للعمل السينمائي في ايطاليا، تلك العلاقة التي توجّت في ما بعد بفيلمهما "الحنين أو NOSTALGIA" عام 1983.
لقد تعرض تاركوفسكي إلى حملات عدائية قذرة وشرسة في بلاده من قبل أولئك الدواويون الحزبيون أو الموالين لهم في وزارة السينما وستديوهات موسفيلم أنذاك، وخصوصاً إبان ظهور فيلمه "طفولة إيفان" الذي كتب عنه سارتر مندهشاً حينها، ومن بعده فيلمه الأيقوني "أندريه روبولوف".
هذان الفيلمان اللذان أثارا في نفوسهم تلك الضغائن وذلك العداء بسبب شهرتهما التي وصلت إلى كل أرجاء المعمورة، وكان الفيلم الأخير قد تعرض إلى حذوفات متعمدة قاتلة ورهيبة من قبل الرقابة الحزبية، والأكثر غلواً في خستهم ومعاداتهم، هو إتلافهم 80 % من سالب المادة المصورة لفيلمه اللاحق " الدليل" في معمل التحميض في ستديو موسفيلم!.
كل ذلك، وأشياء أخرى سببت لروح هذا الفنان الصادق والحقيقي حالة من التسميم، كما أشار لها في إحدى رسائله لوالده، أضطرته بعد صبر وصراع طويلين إلى مغادرة وطنه الذي أحب وإلى الأبد.
حين غادر تاركوفسكي البلاد، اتخذت السلطة السوفييتية أنذاك، كنوع من العقاب، قراراً بعدم السماح لزوجته وإبنه أندريوشا،على وجه الخصوص، في السفر إلى الخارج للأنضمام إليه، مستخدمينهما ، بشكل قذر وقح ولاأنساني، كرهائن! فيما هو غير قادر على العودة إلى وطنه ثانية لرؤيتهما، وهذا
ما شّكل جرحاً عميقاً في روحه.
في ايطاليا وفيما هما يقومان بأستكشاف مواقع تصوير فيلمها القادم، كتب غوييرا يومها:
(أتذكر حين كنا نقطع نابولي جنوباً، توقف تاركوفسكي عند بوابة رخامية لدير خرب يؤوي شجرة ضخمة بأوراق خريفية، كانت تتساقط بين الحين والآخر.
توقف تاركوفسكي أمام تلك الشجرة وأغمض عينيه وهو يتمنى أمنية قائلاً:
" إذا سقطت ورقة فيما أنا أتكلم، فهذه إشارة على أن السلطة السوفييتية ستسمح لزوجتي وإبني بالأنضمام إليّ في إيطاليا."… لكن الورقة لم تسقط للأسف الشديد!).
كلمة عن غوييرا
تونينو، في الواقع، حالة نادرة واستثنائية جداً في السينما العالمية والأوربية على وجه التحديد، فعلى الرغم من أنه يتحدر من عالم أستاذه الأمهر زافاتيني، ذاك الشاعر الذي رسم أيقونة سينما الواقعية الأيطالية الجديدة، بأساليبها وأخلاقياتها، من خلال سيناريوهاته الفذة، لعل أبرزها تلك التي أخرجها دي سيكا "ماسح الأحذية" ، "سارق الدراجة" ، "معجزة في ميلانو" و "أمبرتو" إلا أن تلميذه البارع تخطى ظل معلمه العظيم، محلقاً نحو فضائاته الخاصة.
ففيما كان زافاتيني يجذب المخرجين الذي يعملون معه نحو تأملاته الأجتماعية والأخلاقية الخاصة، كان غوييرا يتجه بنفسه صوب المخرجين ليساعدهم في ترقية وبلورة أفكارهم الخاصة.
لذا فليس مجرد صدفة أنه عمل مع مخرجين سينمائيين مختلفي المشارب الأجتماعية والسياسية والجمالية، سواء كان ذلك مع مايكل أنجلو انطونيوني وبحوثه الأجتماعية والفلسفية في أفلام مثل
(المغامرة، الصحراء الحمراء، الأنفجار، حافة زابريسكي، اثبات هوية امرأة)، أو مع سينما فرانشيسكو روزي ونضاله السياسي في (قضية ماتي، لوسيانو المحظوظ، الجثث الرائعة) أو السينما السياسية لأليو بيتري أو (كازينوفا 70) لماريو مونيسيللي، أو سينما مابعد الواقعية الجديدة لفيتوريو دي سيكا، أو الأخوة تافياني وفيلم ( ليلة تصوير النجوم، كاوس )، وأخيراً مع شخصية الأنسان المغترب الذي يبحث عن جوهر الوجود في فيلم "الحنين" لتاركوفسكي.
سافر غوييرا وسط هذه الفضاءات المتباينة ببساطة المسافر عابر السبيل، ذاك الذي لايقلق في الوصول إلى هدفه، قدر إبتهاجه بالرحلة نفسها.
غوييرا الذي نجح أن يكون كاهن الأعتراف المخلص لأنتونيوني وفيلليني وأنجيلوبولس، هو نفسه اليوم يمثل فصلاً مهماً وأساسياً في سينمانا المعاصرة.
هذا هو نص المحادثة التي دارت بينه وبين تاركوفسكي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غوييرا: ماذا تعني كلمة Stalker؟ **
تاركوفسكي: الكلمة مشتقة من الفعل الأنكليزي "Stalk" وهو أن تدنو من الصيد بهدوء جداً، بشكل مراوغ ومخادع.
في الفيلم تشير الكلمة إلى مهنة يمارسها أولئك الذين يعبرون التخوم ليتسللوا إلى المناطق المحظورة لهدف خاص: انهم يشبهون إلى حد ما قطاع الطرق أو المهربين.
ستالكر أو "الدليل" نوع من المهنة كانت تنتقل من جيل إلى جيل، ويبدو لي أن المتفرجين لن يصدقوا بوجود أدلاء باقون حتى الآن، ليس هذا حسب، بل أنهم لايصدقوا حتى بوجود مناطق محظورة أو محرمة.
محتمل أن المكان الذي تتحقق فيه الرغبات هو مجرد أسطورة، أو مزحة، ومحتمل أنه مجرد وهم من أوهام شخصيتنا الرئيسية في الفيلم. بالنسبة للناس، ربما سيبقى ذلك لغزاً.
ان "الغرفة" التي تتحقق فيها الأمنيات، تستخدم هنا فقط كذريعة أو حجة للكشف عن النزعات والصفات الذاتية المميزة لتلك الشخصيات الثلاث في فيلمنا.
غوييرا: ماهي طبيعة الشخصية في فيلم "الدليل" ؟
تاركوفسكي: إنه رجل أصيل، نقي وصادق إلى أبعد الحدود، أو كما يقال، إنسان بسيط وبريء بشكل عقلاني. زوجته تصفه بـ "جالب السعادة".

انه يرشد الرجال في الدخول إلى المنطقة المحظورة لـ "يجعلهم سعداء" كما يقول. انه يكرس نفسه بنزاهة ولامبالاة إلى الحد الأقصى تماما،ً لهذه الفكرة، والتي تبدو له أنها ال%D
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نجوم سينما | السمات:نجوم سينما
دوّن الإدراج

























