الجزء الاول من مساهمة خص بها الناقد والمخرج على كامل الكشكول
كتبهامحمد بلوش ، في 23 نوفمبر 2008 الساعة: 22:09 م
الواقع والمتخيل في سينما بيرتولوشي
(1)
ترجمة وتقديم : على كامل / لندن
(لقد عرفت الحياة من خلال الأفلام، مثلما عرفها بورغيس عبر الكتب..(1))
بيرتولوشي

مقدمـة
خلف الأفلام الإيطالية المجّددة والمبتكرة في السبعينات كان يقف صف من المخرجين الكبار أمثال فرانشيسكو روزي، ماركو بيلوتشيو، و ورثمولر، ماركو فيريري، و إتور سكولا، أولئك الذين أنتجوا أفلامهم الأولى في فجر ميلاد ماسمي حينها بـ الموجة الجديدة.
من بينهم جميعاً برز إسم بيرناردو بيرتولوتشي الشاعر الريفي الشاب، والمتمرد المناهض لجميع تلك المؤسسات الإجتماعية والدينية والسياسية التقليدية التي كانت قائمة في إيطاليا آنذاك.
هذا الشاب القادم من الشعر إلى السينما دخل روما العاصمة ليقول كلمته: (أريد أن أغيّر العالم!)..
يقول بيرتولوتشي، وهو يعود بذاكرته إلى تلك السنوات: .. كانت الستينات فترة متألقة حقاً بالنسبة للسينما. أحسست يومها بإنتمائي الروحي إلى سينما الخندقة تلك التي إنتشرت آنذاك مثل النار في الهشيم، مقتحمة إيطاليا، فرنسا، بريطانيا، كندا وأمريكا و.. يحتمل، البرازيل..
كنت مسحوراً بشكل خاص بجودار وراسنيس، تروفو، ريفيني، ورومير وآخرين.. أتذكـّر أن الفكرة الرئيسية أو وجهة النظر التي كانت سائدة آنذاك وسط الموجة الجديدة العارمة تلك، والتي كنا نلتقي عندها جميعاً، هي رفض الحكاية أو القصة أو الحبكة في أفلامنا .
إن كل ماكنا نسعى إليه هو أن نتحدث عن السينما لاغير، السينما نفسها في أفلامنا!. بمعنى، إننا كنا كمن يعمل فيلمان يسيران معاً في فيلم واحد، أحدهم يحكي قصة، والآخر أشبه ببحث أو محاولة تجريبة، تختبىء بين السطور. (2)
ولد بيرناردو بيرتولوتشي في المقاطعة الريفية بارما في إيطاليا عام 1940، وهو إبن الشاعر والناقد السينمائي وأستاذ تأريخ الفن أتيليو بيرتولوتشي.
إبتدأ بيرناردو كتابة الشعر منذ طفولته، وكان نشر قصائده الأولى في الدوريات الأدبية قبل بلوغه الثانية عشر من عمره.
في سن العشرين، وحين كان طالباً في جامعة روما، فاز بجائزة الشعر الوطني، بمجموعته الشعرية الموسومة بحثاً عن اللغز.
كان بيرتولوتشي قد أبدى في مراهقته حماسة ورغبة غير عادية نحو السينما، تلك العدوى التي إنتقلت إليه من والده، الذي كان يصطحبه دائماً معه إلى صالات السينما لمشاهدة الأفلام. وقد عمل حينها فيلمين قصيرين ـ مقاس 16 ملم، مدة الواحد 15 دقيقة ـ هما تيليفريك و ذبح الخنازير.
غادر بيرتولوتشي مقعد دراسته في الجامعة عام 1961 ليلتحق ببازوليني كمساعد مخرج في فيلمه
الشحاذ والذي سيظل بيرتولوتشي يتذكر تلك الفرصة التـاريخية في كل مناسبة بفخر وإعتزاز، والتي لم تتاح لأي من مجايليه الشباب آنذاك.
حقيقة الأمر إن الفضل في ذلك كله يعود لوالده أتيليو بيرتولوتشي، الذي سعى حينها جاهداً على نشر أول رواية لبازوليني. وهكذا جاءت تلك الفرصة التي منحها بازوليني لبيرتولوتشي كنوع من رّد ودّي وصادق لذلك الجميل.
أخرج بيرتولوتشي فيلمه الأول الوحش المرّوع أو الموت(3) بعد عام تماماً، والذي أقتبسه عن قصة لبازوليني بنفس العنوان، تتحدث عن عملية إستجواب تجري مع مجموعة أشخاص متهمين في قتلهم لإحدى المومسات، إلا أن ذلك الشريط لم يحقق للمخرج الشاب طموحأ يذكر، بل على العكس من ذلك، كان سبب له إحباطاً كبيراً، وكارثة مالية للمنتج، وأحدث ما يشبه الصدمة في الوسط السينمائي النقدي.

بعدها أمضى عامين للتحضير لفيلمه الثاني ماقبل الثورة الفيلم الذي سيثير إنتباه السينمائيين والنقاد على حد سواء نظراً لنضجه الفكري والجمالي، معلناً بذلك ميلاد مخيلة سينمائية مجددة ومبتكرة.
الفيلم هو أشبه بسيرة ذاتية أومذكرات شخصية، وإستكشافاً رومنتيكياً للحساسية الثورية لجيل شباب متمرد وغاضب، صّور فيه بيرتولوتشي النزاع صعب التوفيق، بين الروح الثوري السياسي وبين الروح البورجوازي، ذلك الذي كان سائداً ليس وسط الشباب الإيطالي حسب , بل هو نزعة سادت عموم شببيبة العالم آنذاك. وقد تجسدت تلك الحالة في الفلم بوقوف بطله منشطراً بين عالمين متعارضين هما عالم السياسة وعالم الجنس.
يومها، كان بيرتولوتشي واحداً من الناشطين السياسيين البارزين في الوسط الثقافي الإيطالي، وقد إعترف في أكثر من مناسبة بأنه ماركسي، إلا أنه مع ذلك، كان قد وظف أشرطته السينمائية تلك كوسيلة للتعبير عن رؤاه السياسية الخاصة.
شخصيات الفيلم كانت تحمل نكهة ستاندالية، إلا أن أحاسيسها بيرتولوتشية خالصة، أما بيئتها الجغرافية فلم تكن فرنسية بل إيطالية محضة. كان الفيلم حقاً تعبيراً تاماً عن الأوهام الرومنتيكية.
وعلى الرغم من ثغراته الأسلوبية والإفراط في محاكاته لمعالجات غودار، إلا إنه أثار إهتمام الكثير من النقاد في أوربا وأمريكا، الذين هتفوا له ورحبوا به حينها، لينال في الآخر جائزة ماكس أوفولس في فرنسا.
في عام 1968 يستعير بيرتولوتشي ثيمة فيلمه القادم الشريك من رواية المزدوج لدوستوييفسكي،
إلا أنه ينقل بيئة أحداثها من بيترسبورغ أربعينات القرن التاسع عشر إلى إيطاليا أواسط الستينات.
كان الفيلم بحثاً سيكولوجياً عن حالة الفصام التي تعيشها شخصية البطل، إلا إن المناخ العام الذي يحيط بتلك الشخصية، كان سياسياً. لذا أصبح الفيلم من هذه الوجهة هو بمثابة شهادة إدانة سياسية صارخة ضد أمريكا في حربها على فيتنام، وذلك من خلال الهجوم الساحق ضد بورجوازية روما المعاصرة، المرآة التي كانت تعكس وجه برجوازية العالم الرأسمالي بأسره.
1970 هو عام حاسم في مسيرة ومهنة بيرتولوتشي، فيه أنجز فيلمين للتلفزيون الإيطالي الأول هو
مكيدة العنكبوت المأخوذ عن قصة جورج لوي بورغيس الخائن والبطل وهو فيلم روائي قصير تزامن إنتاجه مع الفترة التي كان يخضع فيها بيرتولوتشي حينها إلى علاج نفسي مكثف وطويل، وقد إنعكست آثار تلك العلاجات السيكولوجية، كما المرآة، على رؤى المخرج في معالجاته للفكرة وبناء الشخصيات في هذا الفيلم وفي أفلامه القادمة الأخرى.
إنه فيلم يتحدث عن إبن قدم إلى المدينة التي عاش فيها أبيه المغدور بحثاً عن قاتله الفاشي، والذي يتكشف فيما بعد أنه قتل من قبل رجال المقاومة الذين كان يعمل معهم، بسبب خيانته لهم وتعاونه مع الفاشيين. الخطان السيكولوجي والسياسي في هذا الفيلم يسيران أيضاً بشكل متواز من خلال العقدة الأوديبية من جانب، وتعريته الأيدلوجية الفاشية من جانب آخر. إلا إن هذا المزج الهرموني بين الفكر وعلم النفس يجد له تعبيراً أوضح وأدق في فيلمه الثاني الممتـثـل المقتبس عن رواية البرتو مورافيا، وهو أحد أفضل أفلام السبعينات، بسبب طرحه لسؤال أساسي يتعلق بمغزى وجدوى الوضع السوي والمتوازن وسط عالم فاشي مشوه ومقيت .
إنه ميلودراما رومنتيكية ومعالجة لموضوع العلاقات الجنسية في نفس الوقت، لعب فيه جان لوي ترينتيان دور رجل يختفي داخل ثياب قاتل فاشي، فيما دومينيكو ساندا وستيفانا تمارسان السحاق. كان الفيلم، في الواقع، تعرية لجوهر الأيديولوجيا الفاشية، و دراسة تأملية للعلاقة مابين مفهوم الشعب ومفهوم الأمة، عبر موشور المزاج الشعبي والذاكرة الجماعية.
إن ما كان يمّيز أفلام بيرتولوتشي في هذه المرحلة هو نضج إسلوبه الإنطباعي في السينما، ذلك الأسلوب الذي إستطاع أن يجمع في مضامينه بين الأدب والسياسة والتلميحات الفلسفية، والإستخدام الفطن لنظرية فرويد في التحليل النفسي. أما فيما يتعلق بالجانب التقني والجمالي، فقد إستخدم بيرتولوتشي الكاميرا كعنصر مشارك وفاعل في الحدث، وليس موضوعي محايد، كما هو الحال عند بازوليني مثلاً. كذلك إستخدامه المونتاج الإيقاعي والظلال والضياء، والتعليق الشعري المركبّ التغريبي والمختزل في المشهد، متماهياً بعض الشيء وإستخدامات فيلليني.
تميزت أفلامه أيضاً باللقطات البانورامية للطبيعة تلك التي كانت تعكس التكوينات والألوان الإيطالية لرسامي عصر النهضة الأيطالي. أما الميزة الأساسية التي طبعت أسلوب بيزتولوتشي في هذه الفترة وستتواصل معه إلى الآخر، فهي إستخدامه الخلاق لفن الإرتجال على صعيد السيناريو والتصوير والعمل مع الممثل، فكل شيء سيتغير في موقع التصوير!!.
(التانغو الأخير في باريس)
في فيلمه التانغو الأخيرفي باريس يقتحم بيرتولوتشي هذه المرة، المناطق المحظورة والبدائية لمملكة الإنسان، حيث العواطف عارية، نقية وصادقة، كنوع من الحلول المفصلية للعثور على الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء القطيعة القائمة بين البشر .
إنه فيلم ملكَ جرأة ثيمات وتقنيات جودار، وقوة عُري الجسد الإنساني عند بيرغمان.
التانغو الأخير، هو فيلم يحكي عن التعارض وصعوبة المصالحة بين الماضي والحاضر، وإستحالة إقامة صلات بين البشر. أما الجنس فهو يأتي هنا كمحاولة أخيرة لقيام تلك الصلة، والتي تتوّج في الآخر بالموت، كنوع من خيبة الأمل في تحقيق ذلك المسعى، وذلك من خلال قيام جيني ماري شنايدر المستغرقة في أوهام الحاضر، بقتل عشيقها، سجين الماضي بول مارلون براندو.
يقول بيرتولوتشي:إن لقاء الرجل بالمرأة، هو بمثابة لقاء بين ثقافتين، وبما أن كل ثقافة تتعارض مع الثقافة الأخرى بالضرورة، يغرم العاشقان بعضهما ببعض . يغرمان ببعضهما فقط لأنهما مختلفين.
لكن، وبسبب هذا الإختلاف ذاته، ينفصلان عن بعضهم البعض في الآخر..(3)
في هذه المرحلة إضطر بيرتولوتشي، وعلى خطى مواطنه فيسكونتي إلى إستخدام نجوم هوليوود من الممثلين، في لعب الأدوار الرئيسية لأفلامه، بسبب الأزمة الإقتصادية التي عصفت بصناعة السينما الإيطالية آنذاك، والتي دفعت بالكثير من المخرجين الإيطاليين آنذاك إلى عمل أفلام مشتركة مع شركات أجنبية (فرنسية، سويدية وألمانية) ولم يكن بيرتولوتشي إستثناءاً.
ففي التانغو الأخير في باريس مثلاً كان هناك ممثل إيطالي واحد فقط لعب دوراً رئيسياً في الفيلم وهو (ماسيمو جيروتي) .
الفيلم أثار جدلاً واسعاً في جميع الأوساط، ولعنته المحاكم الإيطالية على وجه الخصوص وإعتبرته فيلماً فاحشاً غير محتشم، يخاطب الغرائز الدنيا، بسبب مشاهده العارية الصريحة. وكان قد صودر من قبل الرقابة وأتلفت جميع نسخه. لكن، بعد سنوات وبعد إن خف غضب المؤسسات القضائية والدينية وخمد سعير النار البيوريتانية، نتيجة للتغييرات التي طرأت على الكثير من تقاليد وطبائع الناس في إيطاليا
والعالم، وكذلك بعد أن ألغيت الرقابة، ظهر الفيلم إلى الضوء ثانية، حيث كان بيرتولوتشي يومها قد خبأ النسخة السرية للفيلم!.
يقول بيرتولوتشي:كان الجنس عام 1968 يعتبر عنصراً قوياً ومؤثراً، وكان يسير على جادة واحدة وبشكل متزامن مع السياسة والموسيقى والسينما. كان كل منهم يرتبط ويقترن بالآخر، وهذه سمة عظيمة سمت تلك الفترة، والتي يفتقدها أبناء هذا الجيل اليوم، رغم أنهم ليس المذنبون في ذلك.(3)
إن عقدة الأب وصداها الأوديبي ـ الفرويدي ستتسلل إلى جل أفلام بيرتولوتشي، فنعثر عليها في مكيدة العنكبوت عبرعلاقة الإبن بعشيقة أبيه المقتول، وفي التانغو الأخير في باريس عن طريق بول الذي يكتشف أنه إبن زوجته المنتحرة، وأنه والد الفتاة التي يعشقها.
حين شاهد والد بيرتولوتشي فيلم التانغو الأخير في باريس قال لولده معلقاً: أنت ذكي يا برناردو. لقد قتلتني مرات عديدة، دون أن تذهب إلى السجن.. (4)
حقق الفيلم لحظة رؤيته النور رقما قياسياً في شباك التذاكر بسبب جرأته موضوعه، وكذلك بسبب قوة سحر وجاذبية مارلون براندو، الممثل المثير للجدل، وإلى جانبه ساحرة الشاشة ماري شنايدر.
لقد برهن بيرتولوتشي مرة أخرى أنه مخرج يملك موهبة متميزة ومن نوع خاص، وأن أفلامه حية نابضة يرتادها الجميع، بسبب قدرتها على الجمع بين الحس التجاري والجمالي في آن.
فيلمه التالي 1900 أو القرن العشرين أنتج عام 1976، وهو الملحمة التي تغطي فترة زمنية أمدها سبعون عاماً من النزاعات الأجتماعية والسياسية في مقاطعة إيميليا الإيطالية، مسقط رأس المخرج.
إنه قصة إيطاليا منذ موت فيردي، مروراً بظهور الفاشية، وصعودها وإنتهائاً بأفولها.
كان الفيلم قد أثار جدلاً واسعاً ليس فقط بسبب موضوعه المناهض للفاشية وكذلك صراحته الجنسية وعنفه النابض، لكن أيضاً بسبب طوله غير العادي، فقد كان طول النسخة الأصلية التي عرضت في مهرجان
كان تقرب من الخمس ساعات ونصف الساعة، ناهيك عن تأثير أدوار البطولة التي لعبها بيرت لانكستر ودونالد ساثيرلاند وروبرت دي نيرو .
في الأعوام مابين 1979 ـ1981 أنتج بيرتولوتشي فيلمين هما فيلم القمر وفيلم مأساة رجل مضحك، إلا أن ذروة مجده تجسدت أخيراً في فيلم الإمبراطور الأخير 1987، الملحمة الضخمة التي أعادت عبر الألوان الباهرة والديكور المتقن والأزياء ذي الحساسية العالية، الفصل الأخيرمن مجد وأفول تأريخ الأسرة المالكة في الصين عبر شخصية Yu Yi آخر إمبراطور صيني.
تابع الفيلم مسار معاناة الأمير الوارث للعرش الملكي، منذ طفولته وحتى شيخوخته، تلك التي توجّت بالسقوط والإذلال التام تحت ظل الحكم الشيوعي بقيادة ماو، الذي أحال الإمبراطور إلى بستاني يخدم في قصر الحكومة الشيوعية.
وكان قد ساهم في هذا الإنتاج الضخم المشترك كل من إيطاليا وبريطانيا و الصين، و حصل الفيلم على تسعة جوائز أكاديمية متضمنة أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل سيناريو..

في عام 1990 أنجز بيرتولوتشي فيلمه السماء الواقية المقتبسة ثيمته عن رواية الكاتب الأمريكي بول باولي، تبعه بعد ثلاثة أعوام بفيلمه التأريخي الملحمي الشهيربوذا الصغير المقتبس عن قصة هيرمان هيسة Siddhartha والتي تحكي قصة الأمير سدهارثا والإله بوذا.
إنه فيلم تأريخي يتناول الديانة البوذية، وقد تضمّن حبكتان، الأولى تتناول قصة الكاهن البوذي الذي يبحث عمن يتقمص شخصية أستاذه المتوفى، والثانية تحكي قصة سدهارثا أميرغواتيمالا، الذي هو بوذا.
وكانت قد بلغت كلفة الفيلم حوالي 35 مليون دولار.
في العام 1998 أخرج بيرتولوتشي فيلماً تلفزيونياً بعنوان المحاصَر مأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب الروائي جيمس لاسدن، كتب السيناريو معاً هو وكلير بيبلو، وهو يحكي قصة فتاة أفريقية تهرب من بلدها نتيجة للقمع السياسي الذي تمارسه السلطة الدكتاتورية هناك، والذي يُعتقل زوجها نتيجة لمناهضته السلطة، فيما تتعرض هي للملاحقة.
في روما، حيث يستقر بها الحال، تسعى هناك لمتابعة دراسة الطب، فتلتقي بشاب إنكليزي منعزل في بيته، وتنشأ علاقة حب بين هذين المغتربين، علاقة حب بين قارتين، بين ثقافتين، حب هو بمثابة نوع من المزاوجة بين الموسيقى الأوربية والغناء الأفريقي.
رجل وإمرأة وبيانو ونافذة تطل على السنوات العاصفة لنهاية القرن. علاقة الحب تلك لايمكن أن ُتستانف، كعادة بيرتولوتشي في كل أفلامه، لكنه يضع لها بديلاً، كنوع من التوهج لأمل يخبو، وهو التضحية، التي هي بمثابة خطاب جديد لبيرتولوتشي، فيقوم الموسيقي الشاب وتحقيقاً لحلم الفتاة، ببيع كل مايملك، وآخره البيانو، لإنقاذ زوج الفتاة من سجنه في قارته السوداء.
في هذا الفيلم، يعود بيرتولوتشي إلى أسلوب غودار في إستخدامه السرعة والحدة والخشونة في تقطيع اللقطات والمونتاح ذي الوثبات، والكاميرا المحمولة على الكتف.
الحالمون 2004 هو آخر فيلم لبيرتولوتشي، يستعيد فيه المخرج مرة أخرى أجواء الستينات وإضرابات الطلبة، إلا إن الراديكالية هنا تجد تعبيراً لها في الجنس وليس في السياسة، بإعتبار الجنس عنصراً محظوراً آنذاكن وهو في نفس الوقت إسقاطاً معاصراً على أوضاع الشبيبة اليوم .
الفيلم هو أحد أضعف الحلقات في سلسلة أفلام بيرتولوتشي حسب إستفتاء للمتفرجين الشباب على وجه الخصوص، لأنه يوغل في ممارسات الجنس لدرجة تتيح له السماح بسفاح القربى، على الرغم من أن الجنس هنا مشرق خفيف ومبهج، وهوعلى التضاد من الجنس الذي كان معتماً ثقيلاً ومأساوياً في التانغو الأخير في باريس .
يظل بيرتولوتشي دون ريب، أحد أهم المخرجين السينمائيين المعاصرين مثاراً للخلاف والجدل، بسبب جرأة ثيماته التحريضية، تلك التي دفعت الناس إلى إعادة النظر في أنفسهم ومجتمعاتهم، وهو الذي إستطاع حقاً أن يدفع بتخوم التقاليد والأعراف السائدة إلى الصفوف الخلفية.
إنه مثل بيرغمان وفلليني وكينجي وأورسن ويلز، هؤلاء الذين حاولوا من خلال أشرطة أفلامهم أن يعيدوا تأويل العالم، وأن يزيلوا القذارة عن وجه التأريخ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سينما عالمية | السمات:سينما عالمية
دوّن الإدراج

























