القسم الثاني من الجزء الاول لموضوع سكورسيزي
كتبهامحمد بلوش ، في 26 أكتوبر 2008 الساعة: 15:24 م
مارتن سكورسيزي
البعض يحلم في المستقبل، فيما هو منهمك بتشييده!
الجزء الاول 2/2
علي كامل / لندن

أهذه هي هوليوود؟
على الرغم من نيله أخيراً جائزة الأوسكار إلا إن حكاية سكورسيزي مع هذه الجائزة العجيبة حكاية ذو شجون وظنون، فقد كانت في كل مرة تضل طريقها إليه. فبالرغم من ترشيح أفلامه التالية للفوز بالجائزة إلا أنها أصبحت من نصيب آخرين:
ـ الثور الهائج 1980 (ذهبت الجائزة لفيلم “أناس عاديون” لروبيرت ريدفورد)
ـ الأغواء الأخير للمسيح 1988 (ذهبت لفيلم “رجل المطر” لباري ليفنسون)
ـ رفاق طيبون 1990 (ذهبت لفيلم “الرقص مع الذئاب” لكيفن كوسنر)
ـ عصابات نيويورك 2002 (ذهبت لرومان بولونسكي وفيلمه “البيانو” عن محرقة اليهود)
ـ الطيار 2004 (ذهبت إلى فيلم كلينت إيسوود “طفل المليونير دولار”)..
مع ذلك، ثمة شيء ينبغي أن يحسب لسكورسيزي وهو أنه إستطاع أن يحقق ذات الجائزة لأبطاله وبعض العاملين معه، فالممثلة إيلين بريستين حصلت على جائزة أوسكار كأفضل ممثلة في فيلم “لم تعد آليس تعيش هنا بعد الآن” عام 1975. كذلك روبرت دي نيرو، فقد حصل على تلك الجائزة كأفضل ممثل في فيلم “الثور الهائج”، والذي نالتها فيه ثيلما سكونميكر أيضاً كأفضل مونتاج للفيلم.
أما ليوناردو دي كابريو فقد حصل عليها كأفضل ممثل في فيلم ” الطيار “، و ثيلما سكونميكر، مرة أخرى، كأفضل مونتاج له.
إن الذي يحرز عشق وجلال هذا الجمهور السينمائي العالمي الممتد على مساحة هذا الكوكب لايمكنه أن يكتئب ويحزن لأن الأوسكار ضلت الطريق إليه، فهذه هي هوليوود التي يعرفها سكورسيزي أكثر من الجميع، بإغوائاتها وسحرها ومراوغاتها وكواليسها المضيئة المعتمة، بمقدورها أن تضل جائزتها الطريق لمن لا تريد.
شابلن، هاورد هوكس، أورسن ويلز، هيتشكوك و سدني لوميت، ومن قبلهم غريفيث صاحب الملحمة العظيمة “مولد أمة” هؤلاء الذين خلقوا أسطورة هوليوود، غادرونا من دون أن تعثر الأوسكار على الطريق الذي يهديها إليهم!. وهذا هو المضحك المبكي، على حد قول سكونميكر.

هل هو مسك الختام؟
بعد فيلمه الأخير (الراحلون The Departed) يستعد سكورسيزي لإخراج فيلم يجسد من خلاله السيرة الذاتية للرئيس الأمريكي تيودور روزفلت، وهو مقتبس عن كتاب “صعود تيودور روزفلت” للكاتب أدموند موريس، الكتاب الحائز على جائزة بوليتزر. وقد إشترت شركة بارامونت بيكتشر حقوق الكتاب لأنتاجه سينمائياً في العام القادم، حيث سيقوم نيكولاس ميير بكتابة السيناريو. أما التصريح الذي أدلى به سكورسيزي مؤخراً فهو إستعداده للتحضير لتصوير فيلم بعنوان “صمت” يحكي قصة مهاجرين برتغال رحلوا إلى اليابان في القرن السابع عشر في مهمة تبشيرية لنشر المسيحية هناك، وهي فكرة كانت قد راودته منذ مايقرب العقد من الزمن، إلا إن فيلم “عصابات نيويورك” هي التي أرجأته.
تصريح آخر لسكورسيزي والذي كما يبدو ليس مسك الختام، فهو محاولته العزوف عن أخراج الأفلام الروائية ورغبته في العودة ثانية لأخراج الأفلام الوثائقية بسبب سّنه، كما يقول. فبعد فيلمه الوثائقي عن مغني الأحتجاجات الستيني بوب ديلان وفيلم (فليشع النور) عن فرقة رولنگ ستونگ، يواصل سكورسيزي سلسلة أفلامه الوثائقية الموسيقية بمشروعه السينمائي الوثائقي الجديد الذي يتناول حياة نجم الغناء بوب مارلي الأثيوبي الأصل والجامايكي الجنسية الذي ذاع صيته في سبعينات القرن الماضي والذي توفي عام 1981 نتيجة إصابته بمرض السرطان. أما الثاني فهو يتحدث عن الموسيقي السابق في فرقة رولنغ ستونز المغني الشهير مايك جاگنر، حيث كلف ويليام موناهان سيناريست فيلم (الراحلون) بكتابة السيناريو الذي سيكون عنوانه (العزف الطويل). أما التصريح الأخير فهو عودة شمله مع ممثله المفضل روبرت دي نيرو في عمل مشترك تاسع سيحمل عنوان (I Heard you paint Houses) المعّد عن كتاب تشارلس برانت ((The Irish man الذي يتضمن جريمة قتل حقيقية. وقد كلف السيناريست ستيف زايلان في كتابة السيناريو، الذي سيلعب فيه الممثل روبرت دي نيرو دور رجل العصابة الشهير والسيء الصيت شيرمان وهو الدور الرئيسي في الفيلم.
العودة إلى منزل الطفولة
على الرغم من أن سكورسيزي يبغض فكرة أن يختار فيلمه المفضل من بين أفلامه، إلا أن الفيلمين الذين ضّلا قريبين إلى قلبه هو الفيلم الوثائقي “الأمريكي ـ الإيطالي” الذي أخرجه عام 1974 والذي هو عبارة عن محادثة طويلة حميمة وشيقة مع والديه كاترين وتشارلي سكورسيزي وهما يجلسان على مائدة الطعام في منزلهما، يحكيان عن تنشئتهما الأيطالية قبل هجرتهم إلى أمريكا.
الفيلم هو بمثابة نوستالجيا لمنزل الطفولة، ورحلة داخلية للبحث عن أسلاف حلقوا كالغبار في فضاءات المهاجر والمنافي.
أما فيلمه الوثائقي المفضل الثاني “رحلتي إلى إيطاليا“ 1999 فهو الآخر حين لأفلام الطفولة، فيه يتابع ويحلل السينما الأيطالية منذ الأربعينات وحتى الستينات، تلك الأفلام التي شهدها في طفولته، والتي أضاءت له الطريق إلى المجد.
يقال أن سكورسيزي كلما شاهد هذين الفيلمين أغرورقت عيناه بالدموع.
***
هوامش:
(*)
ولد مارتن سكورسيزي عام 1942 من أبوين صقليين مهاجرين. كان والده يعمل كاوياً للملابس، ووالدته تخيط الثياب في المنزل في منطقة كوين، الحي الأيطالي الصغير في نيويورك.
كان مارتن طفلاً هادئاً يعاني مرض الربو المزمن وعاهات جسدية أخرى أقصته تماماً عن ممارسة الرياضة والأختلاط بأطفال منطقته، أولئك المولعين بالشجار، كما يقول سكورسيزي في سيرته الذاتية، وهو ذات السبب الذي دفع والديه حينها إلى أخذه لدور السينما لمشاهدة الأفلام لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون معه.
حين اكمل المدرسة دخل ديراً، حيث كان ينوي يومها أن يصبح راهباً، إلا أنه توقف عن الذهاب إلى ذلك الدير بعد عام، وتفرغ للشيء الذي كان مولعاً به في طفولته وهو مشاهدة الأفلام.
وهكذا أنفق الكثير من فترة صباه وحيداً جالساً في قاعات السينما أو مشاهدة أفلام سينمائية في التلفزيون، وفي عودته إلى المنزل كان يشرع حالاً في رسم ذلك الفيلم الذي شاهده، لقطة بلقطة، على ورق دفاتره المدرسية.
إلتحق أواسط الستينات بمعهد الفيلم في جامعة نيويورك وحصل على شهادة الباكلوريوس في بحثه ” الفيلم كوسيلة لنقل المعلومات” و ماجستير فن في نفس المجال عام 1966، مما أهلـّه للعمل في نفس المعهد بدرجة أستاذ، حينها كان حصل على الكثير من الجوائز على أفلامه المدرسية القصيرة تلك، أمثال ” ماذا تفعل فتاة جميلة مثلك في هذا المكان؟ ” عام 1963 و “لستَ وحدك فقط يا موراي “عام 1964، وفيلم ” Big Shave” الذي حاز هو الآخر على جوائز من مهرجانات سينمائية عديدة.
بقي مارتن في الجامعة لغاية عام 1970 وكان قد أنجز حينها فيلمه الروائي الأول “من ذا يطرق بابي؟” عام 1968 ، وهو مشروع صغير الحجم يتحدث عن شبان أمريكان ذو أصول إيطالية، وهو مثل كل أفلامه الروائية الأخرى، يخفي تحت جنباته سيرته الشخصية، مؤكداً فيه على دراسة الشخصية أكثر منه دراسة للحبكة الدرامية.
في عام 1970 عمل مونتيراً مساعداً في الفيلم الموسيقي الوثائقي Woodstock لمخرجه مايكل وادلي، وكان فيلماً عن موسيقى الروك.
وكان سكورسيزي قد حصل أيضاً على خبرة عميقة في مجال الأنتاج حين عمل مساعداً ومسؤولاً للأنتاج في الكثير من الأفلام الوثائقية أمثال “ Medicine Ball Caravan” لـريتشنباخ عام 1971. بعدها عمل ولفترة قصيرة في الوحدة التلفزيونية BC في برنامج لتغطية إنتخابات المرشح هيبرت همفري.
أما فيلمه الروائي الثاني “عربة بيرثا” فقد أنجزه عام 1972

فيلمه المميز الأول كان “الشوارع القذرة” 1973 وهو مثل فيلمه السابق “من ذا يطرق بابي؟ ” تجري أحداثه في “إيطاليا الصغيرة” الحي النيويوركي الذي نشأ فيه، وكان قد لعب فيه الممثل هارفي كيتيل دور الشاب الأمريكي ذو الأصول الأيطالية، الأنسان الذي هو على خلاف ونزاع مع سكنة الحي القذر الذي يعيش.
مرة أخرى يجري التأكيد هنا على تطور ونمو الشخصية منه إلى الخط التقليدي للحبكة.
أما أسلوبه البصري فيمكن متابعته منذ الآن من خلال الحركة المتواصلة لكاميرته، وهي حركة متوترة وعصبية، تعكس حياة المدينة. تلك العناصر التي سنعثر على دراسة أعمق وتعبير مؤثر لها بشكل أكثر تفصيلاً لاحقاً في “سائق التاكسي” .
على الرغم من أن الفيلم أخفق في شباك التذاكر، إلا أن فيلمه اللاحق”لم تعد آليس تعيش هنا بعد الآن”، الذي أنجزه بعد عامين، وهو فيلم تجاري تقليدي، سيحقق أرباحاً خيالية، بسبب ثيمته التي تتحدث عن حرية المرأة.
1976 هو عام “سائق التاكسي” الفيلم الذي حاز على جائزة كان الذهبية، والذي يصور شخص عائد من حرب فيتنام مصاب بمرض الهذيان. في هذا الفيلم يدين سكورسيزي الحرب أولاً، ثم يسلط الضوء، بشكل متقد ومقلق على الجانب القذر والمتعب لحياة المدينة.
مرة أخرى يجري التشديد هنا على الشخصية التي جسدها روبرت دي نيرو، والتي تعكس رؤية المخرج لكآبة وعصاب المجتمع المديني.
1977 هو عام فيلمه الموسيقي “نيويورك نيويورك” الذي هو بمثابة شوق وحنين لأفلام هوليوود الموسيقية في الأربعينات، حيث لعب الدوران الرئيسيان فيه كل من روبريت دي نيرو و ليزا مينيللي.
أما في عام 1980 فقد صور سكورسيزي بواقعية مروعة وقاسية القوة الجسدية المتوحشة لبطل الملاكمة الأمريكي ذو الأصل الأيطالي جاك لاموتا، في فيلمه “الثور الهائج” الذي حاز بطله روبرت دي نيرو والمونتيرة ثيلما سكونماكر على جائزة الأوسكار، وكان الفيلم يومها قد رشح لنفس الجائزة كأفضل فيلم ومخرج.
ومواصلة لنفس الخط الذي كان يشغل باله في ما يتعلق بالجانب المعتم لحياة المدينة أخرج سكورسيزي فيلم “ملك الكوميديا” 1983 وهو كوميديا درامية سوداء حادة تتحدث عن هاو ٍ طموح بشكل مفرط (لعب دوره روبرت دي نيرو أيضاً) يدفعه إلى إحداث دمار وخراب وفوضى مرعبة.
في هذين الفيلمين ركزّ سكورسيزي على تلك الثيمة التي تكاد

يمكن لنا توصيف شخصيات سكورسيزي منذ الآن بأنها شخصيات عنيفة بشكل جنوني كما لو أنها تحاكي البنى الأجتماعية القمعية التي يعيشون فيها، ففي فيلم “الثور الهائج” مثلاً، نعثر على ملاكم يحمل في أعماقه نزعة المشاكسة والقتل، يتملكه الغضب داخل الحلبة وخارجها على حد سواء.
بعد عامين يظهر فيلمه المدهش الأنيق “بعد الساعات” الذي هو بمثابة كابوس كوميدي يحكي هو الآخر الأفكار الغريبة لحياة المدينة خلال ليلة واحدة ليس لها نهاية، والذي حصل على جائزة كان كأفضل أخراج.
بعد فيلمه “الثور الهائج” بدأ سكورسيزي يتقهقر إلى الوراء حيث أصبح منذ تلك الفترة يتبّـل أفلامه بنكهة تجارية هوليوودية في أفلام مثل (لون المال، خليج الخوف، وغيرها) لغرض إكمال مشروعه الأكثر شخصية ألا وهو (الأغواء الأخير للمسيح) 1988، المأخوذ عن رواية كازنتزاكي، الفيلم المثير للجدل والذي يروي شخصية المسيح الأنسان المعّرض للأغواء، والذي يتعذب ضمن محاور تتوزع بين النزاع الداخلي، الشك الذاتي والرغبات الأنسانية كلها.
تعرّض الفيلم يومها إلى إحتجاج عنيف من قبل للفاتيكان إلا أنه رغم ذلك حاز على جائزتين، الجائزة الذهبية في فينيسيا وجائزة الأكاديمية.
من عام 1993 وحتى عام 2001 أنجز سكورسيزي أفلاماً مثل “سن البراءة” الفيلم المقتبس عن رواية أديث وارتون التي تحمل نفس العنوان والحائزة على جائزة نوبل عام 1920، وهو فيلم ينأى عن أن يكون قصة حب مستحيله قدر ما يقترب من أن يكون تحليلاً لسلوك الطبقات العليا النيويوركية تلك الفترة.
يليه فيلم “كازينو” 1995، وهو الفيلم الذي جمع فيه المخرج المضامين النظرية والأسلوبية لأعماله المبكرة، حيث العالم الساحر للمافيا والتقسيمات المرعبة للسلطة.
في عام 1997 يعود سكورسيزي مرة أخرى إلى معالجة الثيمة الدينية في فيلمه “كاندان” من خلال متابعة وتحليل شخصية القائد التيبيتي دلاي لاما الرابع عشر، الملك ـ الأله الذي يعيش في منفاه شمال الهند منذ أربعة عقود.
لقد أستطاع سكورسيزي في عمله أن يناغم ما بين الأبداعي والتجاري، وهذا ما نجده ساطعاً في فيلمه “عصابات نيويورك” 2002، هذه الملحمة الهائلة التي استحوذت على إهتمام الناس بعد سبعة أشهر تصوير لها في ستديوهات إيطاليا.
أما فيلمه “الطيار” 2004 فهو يتحدث عن وهج ودفق الطموح الذي لايحّد، من خلال شخصية الملياردير والمخرج والطيار هاورد هيوز، الشخصية السيكوباتية التي توزعت طموحاتها بين المال والفن والنساء والطيران، حيث لعب الدور الرئيسي فيه المثل ليوناردو دي كابيريو…
أما آخر فيلم له فهو فيلم (الراحلون) الذي أنجزه عام 2006 .
(**) الثور الهائج (1980)
الفيلم الشهير بقطعاته المونتاجية المثيرة لمشاهد الملاكمة تلك التي أصبحت في ما بعد مادة دراسية في الكثير من معاهد السينما في العالم، وهو من بطولة روبرت دي نيرو، وكان الفيلم قد حاز على جائزتين للأوسكار، واحدة لروبرت نيرو والثانية للمونتيرة سكونميكر.
(***)
روجر إيبرت
هو رئيس قسم النقد السينمائي لجريدة “شيكاغو سان تايمز” والمشارك في إعداد وتنظيم برنامج جمعية الفيلم Ebert & Roper.
***
فيلموغرافيا
( مارتن سكورسيزي: ولد في 17 نوفمبر 1942… )
الأفلام الرئيسية:
1968 من ذا يطرق بابي؟
1972 عربة بيرثا
1973 الشوارع القذرة
1975 لم تعد آليس تعيش هنا بعد الآن
1976 سائق التاكسي
1977 نيويورك نيويورك
1980 الثور الهائج
1983 ملك الكوميديا
1985 بعد ساعات
1986 لون المال
1988 الأغواء الأخير للمسيح
1989 قصص نيويوركية
1990 رفاق طيبون
1991 رداء الخوف
1993 سن البراءة
1995 كازينو
1997 كاندن
1999 إيقاظ الموتى
2002 عصابات نيويورك
2004 الطيار
2006 الراحلون
***
يتبع بـ (القسم الثاني) “ينبغي أن يكون الممثل حراً، أو هكذا ينبغي أن نفكر!”
علي كامل
كاتب ومخرج سينمائي عراقي. لندن
***
1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سينما عالمية | السمات:سينما عالمية
دوّن الإدراج

























