مساهمة قيمة للصديق الناقد والمخرج العراقي الاستاذ على كامل
كتبهامحمد بلوش ، في 23 أكتوبر 2008 الساعة: 22:57 م
مارتن سكورسيزي(*)
البعض يحلم في المستقبل، فيما هو منهمك بتشييده!
الجزء الاول 1/2
لندن. علي كامل

إستطاع أخيراً مارتن سكورسيزي، وبعد خمسة ترشيحات سابقة إمتدت لفترة تقرب من الثلاث عقود، أن ينتزع جائزة الأوسكار بكفء.
“أرجو أن تتأكدوا من أن هذا هو المظروف الصحيح..!!” هذا ماقاله سكورسيزي في حفل جائزة الأوسكار مازحاً مع الشخص الذي فتح المظروف ليعلن عن فوزه بالجائزة كأفضل مخرج سينمائي لعام 2006 عن فيلمه الأخير “الراحلون The Departed ” والذي حصل على ذات الجائزة أيضاً كأفضل فيلم.
(القسم الأول)
(كل ما أردت أن أكونه في حياتي هو أن أصبح راهباً أبرشياً عادياً ولا شيء آخر)
مارتن سكورسيزي
لم يكن سكورسيزي مخرجاً سينمائياً فحسب إنما كان سيناريستاً ومنتجاً، معلقاً سينمائياً ومونتيراً، وبين الحين والآخر ممثلاً، أما في صباه فقد كان يحلم أن يصبح راهباً!.
إن عالم السينما وتأريخها سيكونان بائسين حقاً من دون أيقونات كلاسيكية ـ معاصرة أمثال “سائق التاكسي” ،”الرفاق الطيبون” ، “الثور الهائج” ، “الأغواء الأخير للمسيح” و “عصابات نيويورك”، ذلك لأن الحماسة المشتعلة لهذه الأفلام هي التي أيقظت الأحاسيس الهوليوودية الخدِرة وأنعشتها ثانية بعد أن كشفت الطبيعة الزائفة والتدميرية لأفلامها.
على العكس من بعض مجايليه ومعاصريه أمثال كوبولا و بالما وبوغدانوفيتش وغيرهم، ظلّ سكورسيزي يواصل خلق أفلام ضخمة، جميلة مبتكرة ومهّمة، فيما بقي الآخرون يجترّون نتاجاتهم الماضية بعد أن فقدوا ذائقتهم وتفردهم ولم تعد أفلامهم تمتلك تلك القوة في التأثير على الناس والعصر.
لقد عالجت أفلامه الجوانب المعتمة من حياة المهاجرين الصقليين المتحدرين من أصل إيطالي، أولئك الذين قدموا إلى أمريكا في العقد الثاني من القرن الماضي.
إنها شخصيات غارقة في إحساس دائم بالأثم الكاثوليكي، أناس حالمون بالسلطة، مهوسون بالمال والعنف، رجال مثيرون للمتاعب، يعذبون أنفسهم بنفس القدر الذي يعذبون فيه ممن حولهم.
هكذا يتعامل سكورسيزي بإستمرار مع شخوص كهؤلاء، رجال كانوا أم نساء، يعانون دائماً من أزمات حادة بسبب طموحاتهم المشروعة أو غير المشروعة لتحقيق ما يحلمون به.

أما فضاءاته الفلمية فهي محكومة بقوانين صارمة وقاسية، سواء كانت تلك التي يفرضها الولاء لرجل العصابة في أفلام كـ (الرفاق الطيبون ، عصابات نيويورك) أو تلك الضوابط والقيود الشديدة التي لا تقل قسوة وصرامة لمجتمع الطبقة العليا، كما في فيلم (سن البراءة).
الفنان الذي يعيش زمناً ليس زمنه
“إنني أنتمي إلى الماضي” ، هكذا يقول سكورسيزي، شاعراً بوخزة ألم شجية كونه موضع حسد، مقارنة بمخرجي هوليوود القدامى الذين كان لديهم نفوذاً كبيراً عليه، أولئك الصّناع المهرة الذين إستطاعوا بتلك الطاعة والأذعان والصبر أزاء الإذلال الهوليوودي من أن يحققوا أفلاماً مدهشة واحداً تلو الآخر بإحساس مفعم بالسعادة.
ومع ذلك فهو، كمخرج، يشعر بالقلق أحياناً من أنه ربما يكرّر نفسه، ومن أنه لن يتمكن مطلقاً أن يعمل أفلاماً تتوائم ورؤى مخرجي الأجيال الشابة لأنه “ليس من هذا العالم المعاصر” كما يقول.
على الرغم من أننا لا نوافقه هذا الرأي، إلا أنه على حق، لأنه ليس من هذا العالم المعاصر حقاً، فمخرج مثله كان على الدوام وما يزال يتطلع نحو الأمام، ليس فقط بسبب مهارته التقنية أو أسلوبه الذي لا يحاكى، بل بسبب أن شخصاً موهوباً مثله لا يمكن أن يكون منتمياً إلى الحاضر قدر إنتمائه إلى المستقبل، المستقبل الذي لن يحيا أحد منا ليراه، أعني عصر الألق الأوتوبـي، العصر الذي سيصبح فيه مفهوم (المخرج ـ الخالق) شيئاً مّسلماً به، حين ُيفهم المخرج على أنه مؤلف الفيلم، خالقه، ومبتكره، لأنه المعماري الوحيد الذي يمتلك الحق في إقصاء أو إضافة أيّ شيء من وإلى بنية معمار الفيلم.
على الرغم من أن هناك ميلاً للظن بشكل حاسد كئيب، من أن سكورسيزي هو ليس في موقعه الصحيح، ذلك أن قدماه مسمرتان في الماضي فيما يداه مقيدتان خلف ظهره من قبل الحاضر.
من الواضح جداً أن تلك الأفتراضات والظنون والأوهام كانت جلها قد وظفت بقصد النيل من أهمية هذا الكائن المبدع، ومع ذلك فلا شيء من ذلك الهذيان إستطاع أن يمنعه من الجلوس هكذا مسترخياً ومقهقهاً من الأعماق حتى اللحظة.
بإيماءاته نحو الماضي وقلقه المتواصل حول المستقبل، أصبح سكورسيزي هو البيرغماتي الأول الذي حقق جزءاً ليس بالقليل من قناعاته الخاصة، لأنه تعّلم كيف يكون ناجحاً وسط منظومة الطحن التي تسحق كل شيء، أعني هوليوود وصناعتها السينمائية، والدليل الجلي على صبره وثباته ومهارته هو أنه إستطاع أن يحصل على ما يريد كفنان، وأن يحقق الأكثر مما كان يحتاجه كأنسان. لقد كان جّده صانع سقالات بناء، أما هو فقد أصبح معماري أفلام.
صحيح أنه يزهو بـ (أناه) حاله حال كل المخرجين الناجحين الكبار، إلا أنه لم يكن يوماً شخصاً متغطرساً أو مغروراً، وما (أناه) تلك إلا صورة لأعتداده بنفسه، ومع ذلك فهو يمتلك مغزىً مرحاً وضحكاً متفجراً وطاقة مدهشة في الأستخفاف بالذات والقدرات الشخصية، لكن ذلك لم يمنعه بالطبع من أن يكون جاداً في عمله لدرجة السكتة القلبية. إنه مثل كل البشر الفاتنين والساحرين في هذا العالم، تتضمن حياته تناقضات وتعارضات مذهلة.
لقد ُكتب الكثير الكثير عنه، فهل هو بحاجة إلى تقديم!؟. إلا أن من الثابت القول أن هناك شيئان وشيئان فقط كانا قد طبعا مسيرة حياة قديس السينما هذا، فهو ينفق وقته إما في مشاهدة الأفلام التي تحتويها مكتبته الخاصة، أو تراه يبحر رحلاته الأخراجية في مواقع التصوير مجسداً فضاءات أحلامه على أشرطة السيللويد، فهو يعتقد إن ولادة فيلم جديد، هو بمثابة تحديث للتقاليد الأبداعية الحية للأنسان، ولو بشكل مختلف.
صفة ثالثة أيضاً يمكن أن تضاف إلى طباعه، هو عشقه للموسيقى، موسيقى البوب، الروك، الأوبرا، والموسيقى الكلاسيكية بالطبع. فمارتي، كما يحب المقربّون إليه مناداته، يبحث دائماً عن اللحظة التي يمكن فيها للموسيقى والمشهد السينمائي معاً، أن يغيّرا، عبر تناغمهما، من البنية الطبيعية للفكرة، فهو يشبّه الصلة بينهما مثل صلة البنزين بعود الثقاب تماماً، ولعل أحد المشاهد الشهيرة التي يفضلها دائماً كورسيزي كدليل على تلك الصلة،هو مشهد إحتراق السيارة التي تنفجر في فيلم ” كازينو ” والتي كان قد إستخدم فيه موسيقى هي مزيج من فضاءات فـِـل سبيكتور و فيردي.
أما الموسيقى التي إستخدمها في فيلم “الشوارع القذرة” فهي مستوحاة من تلك الموسيقى التي كان يسمعها دائماً تتعالى من نوافذ البيوت المجاورة في الحي الذي كان يعيش، كما يقول.
ثيلما سكونميكر (المونتيرة التي عرفته منذ سنوات الدراسة أواسط الستينات في المعهد السينمائي التابع لجامعة نيويورك، والتي قامت بمونتاج جل أفلامه تقريباً، لعل آخرها فيلم “الطيار”) عنه تقول:
“الشيء المميز عند مارتي أنه يحمل في خزين ذاكرته قطعاً موسيقية كان سمعها منذ ثلاثة أو أربعة عقود مضت، إلا أنه يتذكرها بدقة وحساسية الموسيقي تماماً، ويعرف كيف يوظفها في الفيلم، بل لا أبالغ إن قلت أنه كان يعرف أين يضعها بالتحديد في كل مفصل من مفاصل الفيلم.
إنه يمتلك ذاكرة قوية جداً، ذاكرة فوتوغرافية إذا جاز لي القول، فهو يتذكر القطعة ومتى سمعها.
لقد أخبرني مرة حين كنا نعمل على إحدى القطع الموسيقية أنه كان قد سمع تلك القطعة في طفولته في دكان لبيع النقانق حين كان ذاهباً مع والدته للتبضع.
ومع ذلك فحين يدخل مارتي غرفة المونتاج يكون قد جلب معه ستة أو سبعة قطع موسيقية، نقوم معاً بتجريبها لفترات طويلة مع المشهد لنختار الأفضل في النهاية”.

إن حساسيته الموسيقية يمكن أن نعثر عليها متجلية في عدد من أفلامه، ولعل فيلمه الموسيقي
“نيويورك نيويورك” هو مثال ساطع على ذلك، الفيلم الذي هو بمثابة عودة مليئة بالحنين والشوق لأفلام هوليوود الموسيقية في الأربعينات. كذلك “الفالس الأخير” فيلمه الموسيقي الآخر الذي أخرجه عام 1978، ثم شريط الفديو الغنائي الوثائقي ” Bad” عام 1987 الذي صوره عن مايكل جاكسون، وأفلام وثائقية موسيقية أخرى مثل ” Blues” 2003 وآخر بورتريت موسيقى للفنان بوبي ديلان، وأفلام أخرى.
“يمتلك مارتي أذناً لاتخطىء، وهو حين يعمل على المؤثرات الصوتية يعمل بنفس الحساسية الموسيقية والدقة التقنية” هكذا تقول مونتيرته سكونميكر..
الشراكة الأبداعية
تمتد مهنة سكورسيزي كمخرج سينمائي إلى نحو أربعة عقود أو أكثر، تضمنت خلالها أفلاماً أصبحت أشبه بأيقونات لزمننا، ومن بين تلك الأفلام أفلاماً هي بمثابة تعاون ثنائي أو شراكة إبداعية ألقة بينه وبين الممثل الخلاق روبرت دي نيرو، وهي حسب تساسلها الكرونولوجي:
1 ـ “الشوارع القذرة” 1973
2 ـ “سائق التاكسي” 1976
3 ـ “نيويورك نيويورك” 1977
4 ـ “الثور الهائج” 1980
5 ـ “ملك الكوميديا” 1983
6 ـ “رفاق طيبون” 1990
7 ـ “رداء الخوف” 1991
8 ـ “كازينو” 1995
” لقد كان العمل مع بوبي في تلك السنوات شيء إستثنائي حقاً.. (هكذا يحّب سكورسيزي والمقربين من روبرت دي نيرو أن يسمّوه)..
“إبتداءاً من ـ الشوارع القذرة ـ و ـ سائق التاكسي ـ كنت أحس أنني وبوبي نتماهى عاطفياً وسيكولوجياً في الكثير من الأشياء، نتماهى في قناعاتنا ومنظومتنا الفكرية ووجهات نظرنا الأجتماعية، وأيضاً في صداقاتنا وطبيعة الأفلام التي نحلم بعملها، وأشياء أخرى.
مع ذلك، كنا أشبه بعشاق جدد، حيث لم نفصح يومها عن مكنوناتنا تلك بعضنا لبعض، ولم نكشف حتى عن كيف يشعر أحدنا أزاء الآخر.
من المحتمل جداً أن بوب هو القرين السيكولوجي والوجداني لي على نحو مضاعف.” .
لاشك أن تلك العلاقة الحميمة والخفية، قد دفعت بهذين الخلاقين من أن يمنح أحدهما الآخر، الأفضل والأفضل، كلٌّ في مجاله، رغم أن جودي فوستر، الممثلة العذبة والمرهفة التي سبق لها وأن مثلت في فيلم سكورسيزي “سائق التاكسي” وفيلمه السابق “لم تعد أليس تعيش هنا بعد الآن” لها رأي مخالف، فهي تعتقد أن الأثنان، عملياً، هما شخصيتان مختلفان ومتعارضان!.
“مارتي وبوبي ـ المقصود مارتن سكورسيزي وروبرت دي نيروـ “تقول فوستر:” هما من أكثر الشخصيات تعارضاً. فعلى الرغم من أنهما يعملان معاً أفلاماً هامة بشكل جميل ومبتكر، إلا أنه لا وجود لشيء خاص في شخصيتهما يجعل الواحد يظن أن علاقتهما نموذجية حتى الكمال. فمارتي مثلاً كثير الكلام، وهو شخص ممتلىء حماسة ويقلقه جداً ما يجري في العالم، إلا أنه مع ذلك يستجيب لكل ذلك بروح من الفكاهة والمرح، فيما نرى بوبي شخص منعزل جداً، أو هكذا يبدو في الأقل، وهو ليس بالضرورة يعي أو يقلق بما يجري في العالم من أحداث كما هو الحال مع مارتي.
بوبي شخص هادىء وهادىء جداً.
بمعنى آخر، لو قدّر لك مثلاً وأن رأيت الأثنين يجلسان معاً في غرفة واحدة، فمن المؤكد أنك ستحس أن من المستحيل جداً لهما أن ينسجما، على الرغم من أنهما في عملهما السينمائي يبدوان كما لو أن أحدهما يبتدأ الجملة والآخر يكملها”..
روبرت دي نيرو يعترف نفسه أنه هو وسكورسيزي “شخصان مختلفان جداً” فهو يقول:
“لدينا نحن الأثنان خلفيات متباينة، وكل واحد منا يعمل أفلامه لأسبابه الخاصة به. إلا أننا صادقان، نزيهان وصريحان، حين يتعلق الأمر في ما نريد، حين نتحدث عما نريد، وعن دلالات ما نريد، وعن نوع التماهيات بين أفلامنا وحيواتنا.

مارتي يختلف ، نوعاً ما، عن الكثير من المخرجين في حبه لمساعدة الناس العاملين معه، فهو يمنحهم الأحترام الذي ينشدونه، والذي من شأنه أن يدفعهم إلى تفجير طاقاتهم أكثر في العطاء، فضلاً عن أنه أيضاً يعطي فرصاً للعاملين معه أكثر بكثير من المخرجين الآخرين، ففيما البعض منهم ربما يفكر مرتين قبل القيام بذلك، نرى مارتي يفعل ذلك حالاً وبدون تردد أو إبطاء.
إنه على الدوام يمنح الممثل الثقة بالنفس لأن يحاول ويجرب أي شيء. مارتي يُظهر الأفضل في أداءه كمخرج، وهذا بدوره يفجر طاقات الأداء في داخل الجميع.
إنه يعطي فسحة كبيرة لكل واحد منا للتجوال في فضاء مخيلته، لأنه لا يخشى غير المألوف أو المبتكر.
إن كل من عمل ويعمل مع مارتي، ولست أنا فقط، يوّد أن ُيعطي له كل مالديه من طاقة. لم يكن يوماً قاسياً أو صارماً على الأطلاق. لا يوجد شخص هادىء كما هو سكورسيزي في موقع التصوير. مع ذلك، هو واضح وحاسم جداً حين يتعلق الأمر بعمله كمخرج، في حال ثمة شيء ما لا يعمل بطريقة صحيحة أو ُيبالغ في تجسيده.”..
آخر عمل كان لـروبرت دي نيرو هو فيلم “كازينو” 1995، إلا أنه لحد الآن يطمع في إكمال الشوط الذي لم ينتهِ بعد معه، وفي هذا الصدد يقول:
” أريد أن أعمل فيلمين، فيلمين آخرين فقط، لكي يكون مجموع أفلامي معه عشرة أفلام!”.
أما ثيلما سكونميكر فتعبر عن علاقة العمل تلك ما بين هذين المبدعين عن قرب قائلة:
“مارتي و بوبي لايحبان أن يقرب منهما أو يسمعهما أحد حين يعملان قبيل تشغيل الكاميرا، لأنهما يقومان بعمليات تجريب متنوعة كثيرة، ويضطلعان معاً في مجرى هذه العملية بحل الكثير من المعضلات الشائكة، تلك المتعلقة بطريقة تعبير الممثل وحركته أمام الكاميرا، لذا فهما بحاجة حقاً إلى حرية مطلقة ليقولا لبعضهما البعض كل مايريدان.
لايحبان أن يسمعهما أو يتسمع لهما أحد ليسيء فهمهما بقصد أو بدون قصد، على الرغم من أن هذا الشيء مضحك، لأن سماع مناقشة كهذه أو رؤية طرقهما التجريبية بشأن الأداء أمام الكاميرا هي بمثابة دروس ذو قيمة عظيمة لطاقم العمل. إلا أنهما، مع ذلك، يصران على ذلك ويفضلان دائماً التمتع بالحرية بعيداً عن عيون وآذان الآخرين!.”..
أما الشيء الوحيد الذي تتذكره الممثلة جودي فوستر من فيلميها “سائق التاكسي” و “لم تعد آليس تعيش هنا بعد الآن” التي مثلت فيهما أواسط السبعينات، فهو صوت قهقهات سكورسيزي، وعن ذلك تقول:
“آه، لقد كان مارتي مقهقهاً كبيراً، فهو في الحقيقة كان يتكلم حوالي
أتذكر أننا أعدنا تصوير أحد المشاهد 25 ـ 30 مرة تقريباً، فيما كان هو يضع يده على فمه ويضحك من أعماقه ضحكاً مكبوتاً أثناء حوار الممثلين.
الواقع أنني، وفي كل إعادة لذلك المشهد، كنت أحس أن مارتي هو على حق دائماً معنا نحن كممثلين، لأنه كان يرى ما في دواخل جلودنا. آه، ما زلت أضحك حين أتذكر ذلك.
الشيء الآخر الذي تخرج به وأنت تعمل معه، هو أنه إنسان دمث وظريف جداً. إنه شخص محبوب وودود على النقيض تماماً من سلوك شخصياته أو الأجواء العنيفة لأفلامه، لذا ترى أنه كان يغترف من هذا الغنى الشخصي قدرته على خلق ذلك النوع من الماتيريال.
إنه إنسان أصيل وفنان صادق مع نفسه ورؤاه، بشكل لا يصّدق، وهذا الشيء تدركه فقط حين تعمل مع شخص مثله”.
على الرغم من نيلها الأوسكار مرتين وجائزة الأكاديمية مرتين، إلا أن فوستر، وحتى هذه اللحظة، ما تزال ترنو بعتاب ساحر نحو سكورسيزي منتظرة، فهي لم تظهر في أفلامه منذ “سائق التاكسي”، وفي هذا الصدد تقول:
“لقد أردت العمل معه وما زلت. في كل مرة، حين أسمع أنه يريد عمل فيلم جديد أبعث له برسالة خاطفة، على الرغم من ظنوني وهواجسي في أنني الآن لست تلك الشابة التي كانت يوماً ما مهتمة ومنسجمة، موهبة وقدرة، مع كل ماكان يفعله.
لا أظن، ولست متأكدة، إنه ما يزال يعمل لحد الآن أفلاماً مع نساء بسني أو على شاكلتي، ومع ذلك آمل حقاً أن أكون مخطئة في هذا الرأي.”..
“سكورسيزي هو نموذج للكمال، وفي أعماقه ثمة شخص صبور، صبور جداً”.
هكذا تصفه جان روزنثال، المنتجة ومسؤولة الأنتاج السينمائي في معهد السينما التابع لجامعة نيويورك، والتي كانت قد عملت معه في فترة إنتاج فيلمه ” لون المال ” عام 1986 حين كانت يومها مديرة لشركة دزني.
“إنه ذلك الماستر الذي يعشق سير مجرى عملية الفيلم كما لو أنها مرحلة مخاض لولادة جنين. مارتي يحب ما يفعل، بل يقاتل من أجل ما يفعله. وهو عنيد وصعب في طريقته لإنتزاع الأشياء التي يريد تحقيقها ووضعها في مكانها الصحيح.
أعتقد أنه واحد من المخرجين الذين يصعب السيطرة عليهم و التعامل معهم في أيامنا هذه، وهو فنان بكل ما تعنيه الكلمة حقاً، ومع كل ذلك، فهو شخص هادىء جداً ولطيف ويحمل بين جوانحه قلباً كبيراً، كبيراً جداً”..
كينيث لونيرغان، (أحد ثلاثة كتاب إشتركوا في إنجاز سيناريو فيلم “عصابات نيويورك” ،الآخران هما جاي كوكس وستسفن زايليان)، كان قد عمل مع سكورسيزي مدة سنتين تقريباً ووجده:
“في شراكتي الإبداعية معه إكتشفت أن في أعماقه إنساناً طيباً وفناناً رائعاً، فهو يتقبل أفكار الآخرين بشكل غير محدود، وعظيم هو حقاً في طريقة تلقيه تلك الأفكار وفي قدرته على دمجها في رؤيته الكلية.
إنه إنسان مرن يمتلك نزعة دعم وإثارة حماسة الآخرين في العمل، إضافة إلى سمة الأحترام التي يتصف بها. ومع ذلك، فهو يصبح شخصاً آخر حين تدور الكاميرا.
لقد كنت موجوداً في النصف الثاني من تصوير فيلم “عصابات نيويورك” وينبغي عليّ القول أن مارتي كان رجلاً مجنوناً حقاً، تستحوذ عليه الأفكار وتقلقه لدرجة تجعله متوتراً متوتراً جداً… لكن، مع ذلك، تجده في ذات الوقت، مرحاً بشكل غير محدود وفكه جداً في موقع التصوير.
إنه يشعر بالمتعة والتسلية وهو محاط بالجميع، ولقد كان الجو الذي يحيط به مفعماً بالوّد والدفء والأحترام بالفعل.
كنت أراه يجلس أمام جهاز المونيتر في خيمة الفديو يرقب اللقطة وأصابعه ترتفع وتنخفض تارة ثم تتماوج وتتوتر تارة أخرى كأنها أصابع قائد أوركسترا.
وجب القول أيضاً أن مارتي مميز جدا بقدرته على معالجة الخطأ بسرعة ودقة فائقتين.
يجب أن أعترف أيضاً أنني في الأشهر الأولى من عملنا معاً كنت مرعوباً جداً من أن أتفوه بأي شيء.
عليك أن تفكر، يا إلهي، هذا هو النداء الداخلي الخفي والوحيد الذي يتسلل إلى أذنيك هامساً حين تعمل مع فنان مثل مارتن سكورسيزي، إنه لا يبالغ ولا يصطنع أي شيء على الأطلاق. إنه يجعل الأمر في غاية البساطة ولك أن تقول كل ما في رأسك”..
أما عن الشراكة الأبداعية الطويلة الأمد بينه وبين ثيلما سكونميكر فتكشف عنها كلماتها الودودة والصادقة هذه حين تقول:
“لقد حصلتُ على جائزة أوسكار عام 1980 عن أفضل مونتاج في فيلمه “الثور الهائج” (**) وكان ذلك عن تقطيع لقطات مشهد الملاكمة، لكنك لو أردت الحقيقة فلن تصدق أن تقطيع اللقطات تلك كان قد رسمها مارتي بدقة على الورق قبيل التصوير، حجم كل لقطة، طولها وتسلسلها…إلخ.. بكلمة آخرى، كان تقطيع المشهد هو نتاج لمخيلة المخرج نفسه، إنها فكرته وليست فكرتي. أما دوري فهو فقط أن أحسّن تلك اللقطات بالأرتباط مع الأيقاع الموسيقي والبصري.
الحقيقة أن مارتي هو الذي إبتكر ذلك ولست أنا، ومع ذلك، فأنا من كسب الجائزة في النهاية وليس هو!. أليس هذا هو المضحك المبكي؟.
مارتي يمتلك أولاً رؤية بصرية عامة للفيلم الذي يعمله، ومن بعد تأتي التفاصيل، أعني الأيقاع ، نوع وحركات الكاميرا التي ينشدها، إختيار طاقم التمثيل. إلخ.
وبسبب كونه مونتيراً في الأصل، ومونتيراً خلاقاً، فإن مونتاج أفلامه الذي تراه هو متضمن داخل لقطات الفيلم نفسها.
حين عرض عليّ يومها القيام بمونتاج هذا الفيلم تملكتني حالة من الرعب، لأنني لم أكن قد عملت من قبل في فيلم هوليوودي كبير كهذا، إلا أن سكورسيزي وبهدوءه الذي تميز به، إبتسم لي مطمئناً إياي وقال لي بأنه سيساعدني في كل شيء، وفعل ذلك حقاً.
أنا ومارتي نمتلك ذهنية ومخيلة واحدة تقريباً حين نجلس أمام طاولة المونتاج. لقد علمني كل شيء أعرفه عن المونتاج. إنه مونتير عظيم.
لقد عرفته منذ أربعة عقود، مذ كنا طلبة في معهد السينما، إنها شراكة صداقة وإبداع أثمرت خلال ثلاثة عقود عشرون فيلماً، وما زلنا معاً نقطع بقية الطريق… “.
أما زوجته المنتجة باربره دي فينا فتهمس لنا قائلة:
“تستحوذ على مارتي حالة من اليأس العميق مع كل فيلم يعمله، فبعد إنتهائه من تصوير فيلم (الرفاق الطيبون) مثلاً، ومباشرته في عملية المونتاج أصيب بحالة كآبة رهيبة. (لن أعمل بعد هذا مطلقا)، هكذا قال، إلا إن هذا الطبع وهذه الحياة هما خاصية لمارتي.
كل شيء يبدأ أشبه بكارثة، لكنه سرعان ما يصبح كل شيء جميل وساحر. هكذا هو مارتي، فكلما كان يقدم الأفضل مما لديه، كان ينتظر الكثير الكثير ليخرج من ينبوعه الخاص”…

على الرغم من حيوية أفكاره ورؤاه، طرقه وتقنياته، قياساً بمجايليه، إلا أن سكورسيزي ما زال يبحث عن طرق ومعالجات أخراجية جديدة في كيفية التعامل مع سرد الحكاية بصرياً، لذلك تراه لايبخل من أن يسدي بين الحين والآخر بمشورة أو معلومة سرية للمخرجين الشباب بهذا الخصوص، بأن لا يتسمروا في الرتابة المملة للترجمة الحرفية والبصرية للفكرة، وأن عليهم دائماً أن يكونوا منفتحين على الأفكار الجديدة والأساليب المبتكرة.
ليس ثمة كمال مطلق عنده، فهو في كثير من الأحيان يدرك أخطائه ولو بوقت متأخر بعد وقوعها، وذلك لا يمنعه من أن ينفق شهوراً إضافية في غرفة المونتاج ليعدل من تلك الأخطاء ويكيفها وسيرالفيلم، ومع ذلك تراه يشعر أحياناً بغصّة في أعماقه حين يتذكر بعض الأشياء التي لم يستطع حلها أو إنجازها:
“كنت أتمنى لو كنت أملك نفس الوقت هذا في فيلم “الأغواء الأخير للمسيح” يعترف سكورسيزي وهو منهمك على طاولة مونتاج ملحمته الشهيرة “عصابات نيويورك”..
“الواقع أنني مازلت أحب وأتمنى لو كان في مقدوري إضافة بعض الأشياء الطفيفة لذلك الفيلم، مشاهد صغيرة محددة لاتحوي أكثر من 25 شخصاً لاغير، وليس مشاهد كبيرة تحوي آلافاً الناس. المعضلة أننا لم يكن لدينا وقتها المال الكافي لأنجاز ذلك للأسف الشديد، فلم يتبق لدينا حينها من الميزانية سوى ستة ملايين دولار فقط.
أحب أيضاً أن أعثر على طريقة ما، أستطيع من خلالها أن أحذف 15 دقيقة من الفيلم ، وأن يتوفر لي ثلاث أسابيع من الوقت”.
يتحدث سكورسيزي عن ذلك بشعور من الحزن والأكتئاب والقلق المحسوس كما لو أن فيلمه هذا قد عمله قبل أسبوع وليس قبل سبعة عشر عاماً!
أما كيفية تعامله مع الممثلين، وخصوصاً أولئك الذين يعملون معه لأول مرة، فهو سعيه بطريقة أو أخرى جعلهم لا يخشونه. يقول:
“إذا كان الممثل مضطرب، خائف أو متوتر، فخلال خمس دقائق، خمس دقائق فقط من التحدث معه يمكنه أن ينسى كل ذلك.
عموماً، أنا أحب أن يدخل الممثل موقع التصوير وهو يحاول أن يجرب أفكار الفيلم، وأن يعطيني أشياء أكثر من تلك التي فكرت أنا فيها. الجميع حقق ذلك في فيلم (عصابات نيويورك) وخصوصاً ليوناردو دي كابريو.
أحب أيضاً أن أشعر بالمتعة في موقع التصوير، هناك حيث ينبغي أن تسود روح النكتة والأبتهاج والأثارة وأشياء أخرى. إلا أن ذلك لايعني أنني أستمتع فقط في سير عملية التصوير من دون أن يكون لديّ صدامات ومواجهات أثناء ذلك.
بلى، ثمة الكثير من المواجهات والتعارضات، إلا أنني أعتقد أن أشياء مثل هذه ينبغي عادة أن تقع بعيداً عن موقع التصوير.”..
كان طريق مجايلته المخرجة مارثا كوليدج (1946 ـ ) قد تقاطع مع طريقه في العديد من المرات بدءاً من مقابلتهما الأولى في معهد السينما في نيويورك أواسط الستينات، وطوال مشوار طقسهما الأبداعي. إلا أنها مع ذلك تعترف قائلة:
“لقد كنت على صلة وثيقة بقساوة مارتي نحو وحشية العالم والناس الذين يعمل عنهم أفلامه.
سكورسيزي واحد من الـمبدعين المحترفين والخلاقين في مهنة الأخراج السينمائي، المخرج الذي يفكر بأعمال فذة واسعة وكبيرة.
على الرغم من الواقعية الصارخة لأفلامه أحياناً، إلا أنها تتحدث بالمجازات والرموز وتتفجر بالأيحاءات الحسية المجردة. كل شيء يمتلك مغزىً في أفلامه، حتى الطريقة التي تدخل فيها الشخصية إلى إطار اللقطة.
في نفس الوقت توجد ثمة حيوية وعفوية هائلة في عطاء ممثليه له، بسبب دعمه لهم وثقته بهم، لأنه يعبأ كثيراً بمهنته ورؤيته كمخرج، لذلك تراه يعمل دائماً بهذه الطريقة، فضلاً عن ذلك، مارتي هو أنسان عظيم و مربّي عظيم لجيل كامل من المخرجين الشباب.”..
“لا يوجد مخرج أمريكي حيّ ، ولن يكون هناك أحد، بمقدوره اليوم أن يضاهي سكورسيزي، وربما لفترة غير قصيرة، منذ أورسن ويلز وهيتشكوك وجون فورد”. هكذا يقول عنه روجر إيبرت:(***) مضيفاً:
” وهو لغاية اليوم، حين تتحدث معه أو تلتقي به، تحس أنه إنسان غارق طوال وقته في عالم آخر، هو عالم الفيلم.”.
علي كامل/ ناقد ومخرج سينمائي عراقي مقيم بلندن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سينما عالمية | السمات:سينما عالمية
دوّن الإدراج

























