افلام امازيغية

كتبهامحمد بلوش ، في 22 أكتوبر 2008 الساعة: 20:24 م

الفيلم الامازيغي تابرات :

كوميديا سوداء ، ودراما ناضجة.

/جريدة المنعطف /محمد بلوش

 

affich

كنا في إشارة سابقة قد تحدثنا عن فيلم تابرات ( الرسالة) الأمازيغي، ووعدنا بالعودة إلى أهم خصائصه على مستوى الشكل والموضوع، وهو ما نفي به من خلال هذه الوقفة النقدية.

الفيلم اعتمد على سيناريو للحسين برداوز، وهو من إخراج علي أيت بوزيد،.في حين شخصت  أدواره  نخبة من ألمع الممثلين الامازيغيين ، مثل الحسين برداوز، الزاهية الزاهيري، لحسن شاوشاو،لحسن اكثير، احمد النصيح ،  مصطفى اوبايريك، أمينة أشاوي ، فاطمة بيكركار، حبيب رديد، سعيد وارداز، الحسين إيدهمو،وغيرهم..

تعالج قصة الفيلم أحداث قرية من القرى الأمازيغية خلال فترة ما قبل الاستقلال ( باعتماد بعض المؤشرات سيميائيا ودلاليا، وإن كان التحديد الزمني الدقيق زئبقيا في هذا العمل الدرامي )، تميزت بصعوبة وندرة موارد العيش، بشكل سيجعل من الرسالة التي توصل بها

أمغار سعيد(سيد القرية )، والتي تخبره بقرب وصول الفرنسي موغا من أجل اصطحاب يد عاملة من أبناء القرية الى فرنسا وبلجيكا ، بؤرة اهتمام من قبل شباب القرية، باستثناء كل من الفقيه سيدي حماد و صالح الرجل المؤمن بضرورة التشبث بالأرض والقيم الأمازيغية التي تشكل الهجرة إلى فرنسا تهديدا صارخا لها، ونوعا من التخوف على مصير هوية متوارثة جيلا بعد آخر..

وبالفعل، يتجند كل الحالمين وراء حياة أفضل في الديار الفرنسية من اجل عدم ترك الفرصة تمر دون استغلالها، إلى درجة إهمال الوقائع العادية المألوفة في حياتهم اليومية، رغم القوة الرادعة المتمثلة في الصوت الديني الذي ترمز اليه شخصية الفقيه ،صوت قدم لنا هويته منذ مشهد الكتاب القرآني، حيث خاطب سيدي حماد الصغار بخطاب يحرص على مقومات ثلاثية للشخصية: الدين/ الوطن/والهوية الامازيغية، دون أن نتناسى أهمية المشهد الذي يبين إلتماس الفقيه من صالح قبول أراضي الشباب المعروضة للبيع أمام اليهودي يعقوب، على شكل رهن .

شخصية صالح لاتختلف كثيرا عن سيدي حماد ، فهو الوحيد الذي احترم اتفاق الجماعة على تعبيد الطريق ، قبل ان يتراجع الشباب عن الاتفاق بمجرد ظهور سراب وأحلام الرسالة التي أخبرت بقرب وصول الفرنسي موغا إلى قرية ءافا.

 واذا تتبعنا مشاهد الفيلم بتمعن، سنلاحظ ان صالحا و موغا لم يلتقيا في الفيلم نهائيا، اللهم  إلا في مشهد وصول الفرنسي إلى القرية ومروره ب صالح وهو منهمك في تعبيد الطريق وحده، أمام أنظار يعقوب.

 

 

 

 

 

 

ومن الشخصيات التي لها موقف الحرص على التشبث بالجذور والتخوف من الهجرة، يمكن التوقف أمام شخصيات نسائية مثل ءيبا عيش التي نضبت الدموع من مآقيها بسبب مضمون رسالة ابنها احمد المهاجر في أوروبا، مضمون كله معاناة من الغربة، الفردانية والضياع، دون إيجاد عمل، ودون إيجاد وسيلة مادية للعودة الى قريته، بين أحضان والدته، وهو المصير الذي تخوفت يامنة من تكرار وقوعه بصدد ابنها أرياز الحالم بعمل يمكنه من الإقتران بمعشوقته تماكيت ، كريمة أمغار سعيد، بعد ضغط المعاناة من الفقر واليتم، وشح الارض وغياب فرص عمل.

وحتى لا ينحصر البناء السردي في حكاية واحدة ، نوع السيناريست على هذا المستوى ومزج بين ثلاث قصص فرعية ذات زمن متشابه وأفقي صاعد ، أولاها تمثلت في حلم الهجرة إلى فرنسا للعمل العضلي واليدوي، والثانية تركزت حول علاقة حب بين(أرياز) و(تماكيت) مع إقحام شخصية معاكسة بمفهوم الشبكة العاملية المعروف منذ تنظيرات كريماس وغيره من منظري السرد الروائي الحديث، وهي شخصية تجسدت في ( بوجفر) ، في حين تجسدت البؤرة السردية الثالثة في حكاية اليهودي يعقوب الذي ارتبط بوطنه المغرب، رافضا السفر كغيره الى اسرائيل ، خصوصا وأن مضمون رسالة اخيه ابرهة من هناك لايشجع على الرحيل.

مانلاحظه على مستوى ذلك التنويع، يمكن ان يتعزز بقصة رابعة لها علاقة بالفكر أكثر من المشاعر، دلت عليها نوعية إقبال موغا نفسه على كل مكونات الثقافة والحضارة الأمازيغية، بما في ذلك فهم اللغة وارتجالها بعلات يجد لها من حين الى آخر مخرجا كوميديا طريفا، ولعل اسناذ ذلك الدور للمثل احمد النصيح الطالب في شعبة الادب الفرنسي سابقا، أفرز تفوقاعلى مستوى الأداء، وكان تقمصه بذلك الشكل استفاقة قوية مسحت دوره في فيلم سابق، وهو نفس ما ينطبق على دور صالح، الذي كان مقنعا لأن الممثل لحسن إكثير وهو يضطلع بدور ذي طبيعة ارشادية وتربوية، ينطلق ، بوعي او بدونه ،من رصيد تجربته المهنية التي زاولها سابقا، الأمر الذي يجعل كل أدواره ، وفي كل افلامه السابقة، تتشابه في العمق، وتؤدى بنفس الخط التصاعدي.

أعتقد أن هذا الفيلم ، المصنف ضمن الكوميديا السوداء، يتشابه الى حد ما مع فيلم أكال للمخرج أحمد أمل ، فإذا كان المواطن الفرنسي هو من يسعى لإعادة الارض لذويها قبل الرحيل، فإننا في تبرات نجد صورة مغايرة ولكنها تكمل الاولى، حيث أن الأرض سترهن، والرحلة ستكون جماعية، وهذا دليل على تحقق كتابة سيناريستية ناضجة جدا، استفادت من كاستينغ متميز، ومن أداء مقنع، وهذين الفيلمين ابتعدا تماما عن التهريج والابتذال، وفتحا مساحة نقاش وتعليقات، ببساطة لأنهما يحملان خطابا، ولا يخلوان من رهان ورسالة.

 

 

 

 

 

 

ان انخراط القصة في التركيز على شخصية موغا الفرنسي، الذي كان يأتي الى المغرب للبحث عن شباب اقوياء كيد عاملة في اوروبا، بشكل كوميدي، يجعلنا في الاخير نكتشف انه في الفيلم عبارة عن نصاب او محتال، قام بتقديم وعود كاذبة، وربح من تلك العملية أموال السذج، وبالتالي، يمكن ان نتحفظ من بعض تأثيرات الخطاب الفيلمي السلبية، منها على الاطلاق ان التلقي قد يعرف الانشطار، لأن الجيل الذي يعرف هوية وعمل موغا سيتفهم التصوير الكوميدي لشخصيته، عكس جيل الثمانينيات والتسعينيات،ا لذين سيرتبط لديهم الاسم بالمحتال والمثير للضحك، وهنا يطرح اشكال تحوير الحدث التاريخي في الانتاج الدرامي عموما الى تناول من زاوية كوميدية..

واذا حضرت شخصية اليهودي في الافلام الامازيغية منذ الانتاجات الاولى مثل

موكير و ران كولو دونيت وغيرهما فيما بعد، فإن الصورة التي قدمت بها في تبرات مشرفة ، ويكفي انه من الشخصيات التي فضلت الارتباط بالارض والجذور ، وهذا تناول يقدم لنا نفس الممثل محمد جامو، الذي يؤدي دور اليهودي في الافلام الامازيغية ، ولكن هذه المرة عبر دور غير مؤدى سابقا، كتصحيح ربما للصورة الباهتة النمطية في تلك الاعمال.

ربما لا حظ الكثيرون ممن شاهدوا الفيلم انه على مستوى الموسيقى التصويرية تم توظيف أغنية  للراحل الحاج بلعيد ءالصالحين ءاسادتنا الملوك ، وذلك للدلالة على التحديد التاريخي للاحداث، ونحن نرى انه توظيف في محله، شريطة ان لا نتجاهل نوعية اغاني

الحاج بلعيد، على مستوى زمن تسجيل كل عمل على حدة، حتى لا نوظف مثلا اغانيه المبكرة ، ونمطط بذلك الفعل إسقاط تاريخ الاحداث على فترة مبكرة من التواجد الاستعماري، مما لن يتوافق مع التاريخ الفعلي لبدايات هجرة اليد العاملة المغربية نحو الديار الاوروبية.

ودائما على المستوى الموسيقى، سنلاحظ أن اغنية الجينيريك الافتتاحي ، معروفة أصلا عبر عمل فني سابق لمجموعة البوراق التي تتغنى بالدين والامداح النبوية بالامازيغية، مطلعها ءينا والي ءيكان ءيكنوان س ءوغاراس، لكن، تم الاحتفاظ باللحن والايقاع فقط، وتغيير النص الغنائي برمته، من خلال الالتزام بكلمات ومعان لا تبتعد كثيرا عن اجواء الاحداث التي سيعالجها الفيلم،عبر مقطع شعري مغاير مطلعه تمازيرت ءييان ماس ليتن يورون وهنا نؤكد أن مجموعة من المخرجين يسعون عبر تجارب عديدة الى الاهتمام بمكون اغاني الجينيريك، وهي ظاهرة محمودة بدل الاعتماد على العشوائية والجاهز من اغان او موسيقى قد لا تنسجم غالبا والطابع الدرامي للعمل  الفني.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سينما امازيغية | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق

نحب السينما، اذن نحب الحياة



المدرسة العربية للسينما والتلفزيون

www.arabfilmtvschool.edu.eg