دراسة

كتبهامحمد بلوش ، في 15 سبتمبر 2008 الساعة: 03:56 ص

لحظة تأمل في السينما العارية

 

122145

علي سالم صخي

 

عش المجانين – محاولة اخرى للتحليق

الليل دون غطاء
الطفولة دون اكاذيب
افواهنا دون جدار
اننا نحيا , حين يبدو ذلك شائك
(ان الحياة هي افضل شيء تم اختراعه )1
ما الحياة ؟
ثمة نزيف حاول الايحاء لنا بشكل مكثف جداً عما تعنيه هذه المفردة –الحياة – , انه فيلم (ميلوش فورمان ), ( احدهم طار فوق عش المجانين ) المأخوذ عن رواية بنفس العنوان للكاتب ( كين اوكيزي)  قبل الدخول في تفاصيل هذا الايحاء اود الاشارة فقط الى ان ما يٌقدّم هنا ليس عرضاً متكاملاً للفيلم .

**

منذ بداية الفيلم نلاحظ ذلك التشويش القائم في صورة التعامل بين الممرضين والمجانين داخل العنبر المرئي امامنا من المستشفى , التعامل الذي افلحت الادارة في تثبيت كينونته لولا وصول  ميكمورفي –( الممثل جاك نيكلسون ) النزيل الجديد الذي اصر على مواجهة مسارات التعامل هذا محاولاً بعثرتهِا بعد ان ادرك حقيقة الهدف المرسوم خلف هذه المسارات التي تدفع بهم الى هاوية الجنون الفعلي لا محالة .
جاء ميكمورفي وجلب معه كل حقائب الرفض , السخرية والتمرد , انه يرفض شرب الدواء دون معرفة سابقة لما هيته , يرفض الاستماع الى الموسيقى بأمر , يرفض جلسات الحوار التي لا يفهم مغزاها والتي تديرها مشرفة العنبر الممثلة ( لويز فيلتشر)  , يرفض مشاهدة برامج التلفزيون التي تقررها الادارة , يرفض ان يكون مكرهاً على الاستجابة الالية, وبالتالي يرفض ممارسة الدعارة ,اذا اخذنا بنظر الاعتبار اعتقاد المخرج السينمائي ( جودار )( ان كل من يؤدي عملاً لا يؤمن به يمارس الدعارة تماماً مثل المراة  التي تبيع جسدها ) 2
على حيزوم الرفض هذا تستقر المحاولة الاولى للتحليق, بعيداً عن كل القرارات الالية لنظام المستشفى المصغّر عن نظام اكبر هو نظام الدولة , حتى انه توغل اكثر من ذلك حين دعم رفضه بأجمل محاولة للسخرية والتمرد على سلطة المستشفى, عندما سرق باص الممرضين ليقوم مع زملائه برحلة حرة عبر المدينة, ثم البحر  على متن قاربٍ بخاري لينتهي به الامر منتظراً دوره في استلام حصته من الصدمات الكهربائية , ( خلال هذه الجولة يبدو واضحاً ان هولاء المجانين ليسوا اكثر جنوناًَ من الاغلبية التي تسير في الشوارع وان السلطة هي التي تقودهم نحو الجنون ) 3
ميكمورفي هذا الرجل الكسول , العدواني , كما يتضح ذلك من تقرير الشرطة التي احضرتهُ الى المستشفى لتقييمهِ عقلياً , يدرك شيء واحداً فقط  عليه ان يتمسك به بكل مخالبه ألا وهو الحرية , الحرية بابسط صورها اليومية وهذا ما يجعله متشبثاً بمحاولاته المتدفقة من سيل تحرره الداخلي الكامن في برزخ روحه .
وقد برع ( فورمان ) في تقديم ثيمة فيلمه ( عندما فشل ميكمورفي في محاولة اقتلاع قاعدة صنبور المياه الرخامية امام زملائه من اجل تحطيم سور المستشفى , السور الملموس , الفاصل المادي الاول بين اولئك المجانين والحياة بكل ما تحمل بين طياتها من حقائق لم تزيف بعد , الحياة التي تتفجر من بزوغ يتنامى عبر أزقة الراس وحده , غير انه حطّم السور فعلاً , السور الاهم , السور الذي يبدأ من الداخل , عند تبريره ذلك الفشل بقوله :- حاولت , على الاقل , انني حاولت )
هل تكفي المحاولة ؟
لربما كان مخاضها هو الذي احيا خيوط الاستفاقة لدى صديقه الهندي – الزعيم , ليكملها هذا الاخير قبل ان يتوقف النزف من اجل استأصال حريته وحرية ميكمورفي الذي توحد في شخصه ( شخص الزعيم ) بأقتلاع القاعدة الرخامية وتحطيم النافذة الحديدة , سور النظام الشكلي , سور الخطيئة , ليحلّق قدماً نحو براري الافق .

***

انها السينما العارية بكل ما تملكه من جرأة في كشف عُرْي التعامل السائد بين الانظمة والفرد في المجتمعات الرأسمالية , الانظمة التي تستمر في احصاء هزائم الفرد حتى الهزيمة الاخيرة من اجل كرنفالها الخاص , وادارة المستشفى كانت صورة واضحة جداً عن تلك الانظمة في استخدامها شتى اساليب القهر ببرود تام ضد اولئك المجانين , ضحاياها  الذين طالما حاولوا الاستلقاء على ارائك السكينة غير ان الوقت كان قاسياً , صلباً اكثر مما ينبغي .

****

هذا الفيلم الحائز على خمسة جوائز اوسكار عام 1975 – جائزة – احسن فيلم , الاخراج , السيناريو , التمثيل – الممثل (جاك نيكلسون ) , الممثلة ( لويز فيلتشر ) .
هو دعوة للحياة ,  دعوة لاخذها بقوة , الحياة – المحاولة , المحاولة الاولى , الثانية , الالف , الحياة – الحرية , الحياة – التحليق , الحياة – الحياة .


الهوامش :-
……………….
1- ليس لدى الكولونيل من يكاتبه – رواية – غابريل غارسيا ماركيز – ص 68
2- اضواء على السينما المعاصرة – دراسة – سمير فريد –  ص96
3- نفس المصدر السابق – ص 135

 

عن موقع ادب الفن

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مساهمات نقدية | السمات:
  دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق

نحب السينما، اذن نحب الحياة



المدرسة العربية للسينما والتلفزيون

www.arabfilmtvschool.edu.eg