سينما ايرانية
كتبهامحمد بلوش ، في 25 أغسطس 2008 الساعة: 15:26 م
مفارقات السينما الايرانية
خافيير مارتن ونادر تكميل هامايون*
Javier MARTIN et Nader TAKMIL HAMAYON

في الماضي كانت ايران تعني النفط والكافيار والسجاد والسافاك (شرطة الشاه السرية).اما اليوم فباتت السينما "انتاج" تفخر ايران بتصديره اكثر من اي شيء آخر. ففي اقل من عشرين عاما فرضت نفسها في المهرجانات الدولية كافة. سينما فريدة تملك مفاتيحها ومراجعها وجماليتها ومؤلفيها وتحولت الى حيز اساسي للتعبير في المجتمع المدني. على الارجح، ان ما تلقاه من تقدير غربي يعود الى الصورة شبه الوثائقية التي تقدمها عن بلد ليس معروفا بشكل جيد. والمفارقة ان السينما الايرانية عاشت فترة ازدهارها الحقيقية بعد الثورة الاسلامية في شباط/فبراير 1979.
منذ نشأتها تقيم السينما الايرانية علاقات غريبة مع السلطة. وكان بدأ كل شيء في العام 1900 خلال رحلة في اوروبا لمظفر الدين شاه، الخامس في سلالة الخجر، اشترى خلالها آلة للتصوير السينمائي. وقد قام مصوره المعتمد ميرزا ابراهيم خان اكاس باشي، بتصوير استعراض للزهور في مدينة اوستاند في 18 آب/اغسطس من العام 1900.هكذا ولد اول عمل من تصوير ايراني، لكن السينما ستبقى لردح طويل من الزمن لعبة خاصة بين يدي الشاه.
فتحت اولى صالات العرض منذ العام 1904 لكنها لن تزدهر في طهران والمناطق الا في العشرينات. وفي العام 1928 فتحت صالة عرض مخصصة للنساء فقط، لكن هذه التجربة الجريئة باءت بالفشل المادي.
منذ ذلك التاريخ تتردد الطبقة الدينية المدركة لسلطة الصورة بين الخوف والانجذاب. نزعة التحريم قوية اذ يمكن للافلام الغربية ان تحمل معها قيما تتعارض مع الاسلام والثقافة الايرانية. لكن بدل مواجهة هذا الاختراع المليء بالمغريات، قررت إيران تشجيعه كي يتطور على الطريقة "الايرانية" ليكون في خدمة التربية والاخلاق والهوية الوطنية وسط شعب أمي في غالبيته.
بدأت السينما تكسب شرعيتها شيئا فشيئا داخل هذا المجتمع التقليدي. لكن لن يتم انتاج اول فيلم طويل الا في العام 1932 وهو بعنوان "حجي آغا، ممثل سينمائي" للمخرج اوهانس اوهانيان وهو الفيلم الوحيد من فترة السينما الصامتة المحفوظ حتى اليوم. ويسخر المخرج بطريقة استشرافية لاواعية من العدائية التي ستواجه بها السينما في البلاد.
في العام التالي اخرج اردشير ايراني وعبد الحسين سربنتا في الهند فيلم "فتاة قبيلة لور" وهو اول فيلم ناطق واول فيلم يتعرض… للرقابة. وقد فرضت السلطات على المخرج نهاية دعائية سخيفة: يعلن احد المنجمين ان نجمة ـ رضا شاه ـ ستُخرج البلاد ذات يوم من الفوضى واللصوصية وتعيد اليها مجدها الغابر. بالرغم من النجاح الواعد للفيلم وفي غياب الرساميل الخاصة، بقيت المبادرات الخاصة نادرة وتوقف الانتاج اسينمائي بصورة مفاجئة بين 1938 و1948 حيث طغت الافلام الاميركية والهندية والمصرية على السوق الايرانية…
انتهى الامر بالانتاج السينمائي الايراني، الذي لم يكن يملك في سجله قبل 1950 اكثر من 13 فيلما، بفرض نفسه من خلال الافلام "الفارسية" اي الترفيهية المستوحاة بقوة من الهنود والمصريين وهي ذات مستوى عادي لكنها تستقطب الرساميل الخاصة الضرورية لخلق الصناعة السينمائية وتطويرها. وقد احرز فيلم "كنز غارون" لسياماك ياسامي (1965) نجاحا باهرا.
استفادت السينما الشعبية من هذا الانتاج التجاري لتحقق ازدهارا كبيرا حيث كان يمكن احصاء 300 صالة سينما في البلاد عام 1963 وتسجيل مبيع 33 مليون بطاقة دخول في طهران وحدها! في خلفية افلام الكوميديا والاشرطة البوليسية كافة كان يمكن مشاهدة وصف البيئات الاجتماعية وتصوير بعض النزاعات (الغني والفقير، الحداثة والتقليد…).وشهدت افلام المسمّاة "جاهل"، وهي ايرانية نموذجية، انتشارا شعبيا واسعا على غرار "اللص الكريم" لمجيد محسني (1958).فأبطالها لصوص شرفاء تطرح من خلالهم مواضيع الفقر والظلم الاجتماعي وهي عوارض كان يعاني منها قسم كبير من الايرانيين المحتاجين الى شخصية خيالية راعية.
واتخذت "سينما التأليف" حيزا لها بفضل الدور الذي لعبه مخرجون من امثال فاروق غفري، مساعد المخرج الفرنسي هنري لانغلوا والناقد في مجلة Positif ومؤسس المكتبة السينمائية في ايران عام 1958 ـ بقي فيلمه "جنوب المدينة"(1958) ممنوعا لمدة خمس سنوات ـ او ابراهيم غولستان مؤلف "اللبنة والمرآة" (1965) ومنتج "البيت الاسود" (1962) من اخراج رفيقته فروغ فروغزاد.
وسيبقى الالتزام السياسي الواضح المعالم ابتداء من 1969 مرافقا للاعمال السينمائية حتى ثورة العام 1979 وتمثل في فيلمين: "البقرة" لداريوش مهرجوي و"غيسار" لمسعود كيمياي. بين "الموجة الجديدة" والواقعية الجديدة الايطالية والقدرية الشيعية حمل جيل من المخرجين ـ كياروستامي (المسافر)، بايزاي (زخة المطر)، نادري (وداعا ايها الصديق)، كيميافي (المغول)وشهيد سالس (حادث بسيط) ـ كاميراتهم ليدينوا البؤس وسرعان ما اتخذت هذه الحركة اسم "السينما الاخرى". هنا ايضا تمكن السينمائيون من التعبير عن انفسهم بصعوبة طبعا لكن بالتسلل عبر شبكة الرقابة. فالاستنكار الصارخ احيانا يمرَّر بنعومة من خلال الاكثار من مستويات التأويل واللعب الدائم بين مستويي الواقع والخيال. امثال امير نادري الذي ينتقد بطريقة غير مباشرة في فيلم "الهرمونيكا" (1973) استغلال الملاكين للفلاحين واستغلال الشاه للبلاد ـ او بهروز فوسوغي نجم السينما الايرانية الكبير الذي يلعب في فيلم "رضا، قائد الدراجة النارية" دور المجنون الهارب من المصح والذي يتلبس دور مثقف يشبهه في الهيئة ليبرز قلق المجتمع وعجزه عن الاستمرار في بلد يفترض بالحداثة ان تولد فيه من رماد الماضي.
لكن يوم سقطت تماثيل الشاه عام 1979 هوجمت المصارف (رموز الامبريالية الاقتصادية والمضاربات المالية)بالحجارة وتم اجتياح المقاهي واحراق صالات السينما…
يبدو منطقيا للوهلة الاولى هجوم الثورة الاسلامية على السينما، ففي الصالات المعتمة تظهر النساء العاريات. وباتت الدلائل تشير الى انتهاء عصر السينما. بيد انه غداة انتصار 11 شباط/فبراير 1979 اطلق آية الله الخميني تصريحا مفاجئا: فهو ليس فقط لم يتخذ موقفا ضد السينما بل دعا الى تشجيعها… مع رسم الاطر الجمالية والايديولوجية لسينما منسجمة مع التعاليم الاسلامية.
في غضون اشهر قليلة فرض النظام الجديد مجموعة من القواعد غير المكتوبة: يجب الاّ يتعاطف المشاهد مع المجرم او مرتكب الخطيئة، عدم تصوير تهريب المخدرات اطلاقا، احترام الزواج والعائلة، عدم التطرق الى الخيانة الزوجية، تحريم الحركات الملتبسة، لا تلامس بين الرجل والمرأة (حتى بين الزوجين)، تفادي المواضيع "المبتذلة" او "المزعجة"، منع الشتائم منعا باتا، عدم تصوير رجال الدين بصورة مضحكة او غير مستقيمة… لا تفرض الشروط فقط على السيناريو بل ايضا على تنظيم التصوير. يجب توظيف اختصاصيين في الماكياج من الجنسين تفاديا لاي احتكاك غير شرعي…
ان السلطة المنهمكة في المشكلات الاقتصادية والمؤسساتية والسياسية لم تُرسِ فعلا قواعد او مبادئ في هذا المجال.فالسينمائيون انفسهم (الشباب من المثاليين الثوريين وبعض المخرجين الانتهازيين من حقبة الشاه) بدأوا بصناعة افلام تدين النظام السابق وتبرز قيم الثورة. وخير دليل على مضمون هذه الافلام عناوينها:"عندما ينهض الشعب"، "المتمردون"، "حقول الارز الدامية"، "صرخة المجاهد"، "جندي الاسلام"، "مطر الدم"….
تغير المناخ بعد الحرب مع العراق التي اوقعت مليون قتيل و200 الف جريح من الجانب الايراني، اذ تحول الابطال الى مقاتلين مكرمين كما في فيلم "باهو، الغريب الصغير" (1988) لبهرام بايزاي، او خائبين كما في "زواج المباركين" (1989) لمحسن مخملباف المدافع الكبير في حينه عن القيم الاسلامية. ولاقت هذه الافلام التي لم تعرض بعد في فرنسا رواجا شعبيا كبيرا في ايران.
بدأ النجاح خارج الحدود مع فيلم "العداء" (1985) لامير نادري الذي جال حول العالم حاصدا الجوائز في المهرجانات الدولية. ولحقه حوالى العشرين فيلما خلال عامين فقط. والمفارقة المعتادة هي ان هذه الافلام لا تقدم صورة زاهية عن البلاد لكن الدولة تدعم توزيعها في سعي منها لتحسين صورة الجمهورية الاسلامية وصولا في مجال التناقضات الى منع بعض الافلام داخل ايران والسماح بتوزيعها في الخارج. ويتم اخراج ما بين 60 و70 فيلم سنويا. وفي العام 1997 بلغت السينما الايرانية القمة بحصول فيلم "طعم الكرز" على السعفة الذهبية في مهرجان كان.
دفعت هذه الموجة ببعض المخرجين الشباب الى الصعود السريع في عالم الفن السينمائي، من امثال بهمان غوبادي الذي حصل من اول فيلم طويل له "وقت لسكرة الجياد" على جائزة الكاميرا الذهبية (2000) او سميرة مخملباف التي اخرجت فيلم "التفاحة"(1998) وهي لا تزال في الثامنة عشرة من عمرها.
لكن هذا النجاح ليس احادي الجانب ويرتكز في جزء منه على قواعد غير آمنة تماما. وهو يعود الى نوعية الاعمال كما الى موجة الموضة التي تستفيد منها السينما الايرانية والى الظروف السياسية والجيوستراتيجية في الشرق الاوسط. فغوبادي لاقى اعجاب الجمهور الاوروبي لانه كردي ايضا، وحصل "اللوحة السوداء" على جائزة لانه ايضا صوِّر في كردستان على يد ايرانية شابة وجميلة هي سميرة مخملباف. يُطرح التساؤل اذا حول ارتباط هذا النجاح بالوضع الايراني مباشرة، فهل يستمر اهتمام الجمهور والنقاد الغربيين يومَ يستقيم الوضع هناك؟
* مبرمجا حلقة "بورتريهات من طهران" ضمن منتدى الصور في باريس..
عن لوموند ديبلوماتيك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سينما آسيوية | السمات:سينما آسيوية
دوّن الإدراج

























